إن الاعتراف بغياب الجهد المنظم والمتميز للاهتمام بالتنمية الإدارية وتوفير الإمكانات التي تدعم الأخذ بها، وفي مقدمتها الربط بين البعدين الأكاديمي والعملي وتفعيل دور المعهد الوطني للإدارة العامة.. كانت من أبرز الملفات التي طرحت تحت قبة مجلس الشعب مؤخراً.
وكان لافتاً دعوة وزير التنمية الإدارية الدكتور حسان النوري إلى تحليل القوام الأدائي والتمكين الإداري للكوادر في المؤسسات قبل الاستعجال بالحكم عليها بأنها منتجة أو غير منتجة موضحاً أن ما بين /90/ إلى /95/ بالمئة من الكوادر البشرية متميزة ووطنية بامتياز واستطاعت الصمود في الأزمة. وأضاف النوري: لا شك لدينا بوجود فساد بالممارسة بنسبة لا تتجاوز /10/ بالمئة ولكن هذا الفساد يظهر على الساحة بسهولة ويغطي على الكادر البشري المتميز الموجود في مؤسساتنا.. مؤكداً أهمية اختيار الكادر البشري بناء على المعيار الأدائي من خلال تحليل الواقع الراهن للمؤسسات. كما يلفت وزير التنمية إلى أنه لا يوجد أي شركة أو مؤسسة سواء كانت عامة أو خاصة تمنح شهادات /المدرب الوطني المعتمد/ سوى وزارة التنمية الإدارية التي تحدد الامتحان وتشرف عليه وتمنح الشهادة، مبيناً أن هناك قراراً صادراً عن الوزارة بعدم الاعتماد على أي شركة كانت في منح هذه الشهادة.

الهيكلية والأنظمة الإدارية
كان ومازال مفهوم التنمية الإدارية لا غنى عنه منذ أن بدأ التفكير بالإصلاح الإداري  لتحقيق أهداف لم يكن في مقدور المؤسسات  تحقيقها، ولضمان تنسيق جهودهم وتوجيهها نحو الأهداف  التنموية المرغوبة. ونظراً لتزايد الاعتماد على العمل المؤسساتي اكتسب تأهيل الكوادر البشرية وتدريبهم أهمية خاصة، من منطلق أن العملية الإدارية ذات طابع تنظيمي واجتماعي وإنساني واقتصادي. ومن هذا المنطلق والأهمية أشار أعضاء المجلس خلال جلسة لتقييم أداء وزارة التنمية الإدارية إلى نقاط مهمة تتعلق بعمل الوزارة، فرأى عضو المجلس محمد جغيلي ضرورة خضوع أي مرشح لأي موقع إداري للجنة خبراء ثم يقدم مشروعه وهي تختاره ووضع معايير لمعرفة القدرات التي ترشح للمؤسسات. ونوه عضو مجلس الشعب بأن تكون الإدارة قريبة من الأهداف التي يتوجب عليها تحقيقها, لأنها وضعت لتحقيق الأهداف. إذ لا معنى للإدارة وهي بعيدة عن أهدافها. وعليها أن تضع نصب أعينها الأهداف المطلوبة منها وكيف تسعى لتحقيقها. ولذلك صفات ومميزات يمكن من خلالها الاستدلال على دورها وأهميتها في الوحدات الاقتصادية ومن ذلك النمو المتزايد في مدخلات العملية الإنتاجية والأفراد العاملين وأيضاً النمو المتزايد في حجم المبيعات والتخطيط المسبق لاقتراض الأموال وتحديد طريقة صرفها وكيفية العمل على سدادها، أضف إلى ذلك تحقيق الربح الملائم مع الاحتفاظ بسجلات توثق نشاطات الشركة أو المؤسسة أو الوزارة واختيار الموظفين بعناية ليتناسب مع طبيعة العمل، انتهاء بوجود هيكل تنظيمي يغطي جميع أنشطة المؤسسة ويعمل على ربط كل أجزائها بعضها ببعض.
لماذا الآن؟!
وفيما تساءل عضو المجلس محمد السباعي: أين وصلت الهيكلية والأنظمة الداخلية للوزارات والمؤسسات و لفت عضو مجلس الشعب إلى أن التنمية الإدارية عملية تدخل تستهدف وزارة أو مؤسسة  لتسعى إلى جعل عمليات الإدارة وطرقها ووسائلها تتلاءم مع مرحلة التطور وكذلك جعل عمليات الإدارة وطرقها وتقنياتها تتواءم مع الأهداف التنموية الشاملة «الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يسعى البلد إلى تحقيقها من خلال خططه التنموية.موضحاً أن التنمية الإدارية هي استراتيجية تدخل شاملة تعتمد على جهد منظم يهدف إلى إحداث التغيير بغية تحسين كفاءة وفاعلية الجهات الإدارية لتطوير مقدرتها على التجدد والتطور والتلاؤم مع المتغيرات السريعة «تقنية- علمية- سياسية- تشريعية- اقتصادية».أي إن التنمية الإدارية هي طريقة منظمة لإحداث التغيير الضروري في جهة ما أو مؤسسة ما أو منظمة ما عن طريق التدخل في كيفية عملها أو في آلية سير العمل بغية تمكينها من تبني استراتيجية للرد على المتغيرات والسيطرة عليها والتأثير فيها والتلاؤم معها.
عناوين الإصلاح
عد أعضاء في المجلس التنمية الإدارية منعكساً مهماً لمحاربة الفساد، وعن دور التنمية الإدارية في الإصلاح تساءلت عضو المجلس مهما شبيرو: إلى أين وصلت الوزارة في العناوين التي طرحتها لإصلاح الوزارات والمؤسسات؟ وهل تمكنت من تأهيل قوى عاملة حكومية تتميز بالكفاءة والمهارة والفعالية؟ وذكرت عضو مجلس الشعب أن الأنظمة والإجراءات والأهداف تكون عادة غير واضحة، فتكثر الاستفسارات والأسئلة وتتباين الإجابات، ويكثر التأويل، ويختلف التطبيق بين وقت وآخر، وعادة يطوّع الغموض في الأنظمة والإجراءات، ويفسر ويكيف لمصلحة التوجه الذي يراد للإجراء أن يسير فيه، أو الذي ينسجم مع ما يريده المدير، وكثيراً ما يصاب العاملون في مثل هذه الإدارات بنوع من الإحباط، ويعانون من كتمان ما يشعرون به من امتعاض، ولا يستطيعون التعبير عنه خوفاً من فقد وظائفهم، أو وصفهم بالمشاغبين ومثيري المشكلات على الإدارة، كما أن الأهداف التي يعملون من أجلها غير واضحة لهم، ولا يحسون برابطة الانتماء.وهذا ما أكده أيضاً عضو المجلس نضال حميدي في مداخلته عن وضع معايير للموظفين والمديرين والمحافظين وغيرهم وهل تتم الاستجابة لمقترحات الوزارة بهذا الشأن؟ بينما تساءل عضو المجلس غياث القطيني عن دور الوزارة في بناء الكوادر للمؤسسات الحكومية والجهات الأهلية والمنظمات؟
الاهتمام بالمبدعين
الاهتمام بالمبدعين بدءاً من المدارس وإعطاؤهم دورهم.. كانا من أبرز الطروحات في ملف التنمية الإدارية ويؤكد عضو المجلس فارس الشهابي أهمية الخبرات الإدارية في القطاعين العام والخاص ويلفت عضو مجلس الشعب إلى أن مصطلح الإدارة الذكية للأعمال يشير إلى التطبيقات والتكنولوجيات التي تستخدم لجمع البيانات والمعلومات عن عمليات الشركة وتوفير سبل الوصول إليها وتحليلها. ويجب عدم الخلط بين الإدارة الذكية للأعمال والذكاء التنافسي، إذ يعد كل منهما مفهوماً إدارياً مختلفاً عن الآخر.
كما يمكن أن تقدم أنظمة الإدارة الذكية للأعمال طرقاً لمساعدة الشركات على معرفة أكبر للعوامل المؤثرة في أنشطتها التجارية، مثل المبيعات والإنتاج والعمليات الداخلية وبالتالي تساعد الشركات على اتخاذ قرارات أفضل.
وتظهر أهمية الإدارة الذكية للأعمال في تحقيق النجاح عندما ننظر إلى ما يقوم عليه اقتصاد اليوم القائم من المنافسة بين الشركات. وعلى الرغم من أن الكثير من الشركات وجهت استثمارات كبيرة في البنية التحتية لهذا النوع من الإدارة، إلا أن القليل من موظفي هذه الشركات يستفيدون من أدواتها القوية المتاحة لهم.
ويرجع هذا إلى أن التكنولوجيا ما هي إلا جزء من الاستراتيجية الناجحة للإدارة الذكية للأعمال. فمن ضمن بقية عوامل النجاح: الدعم التنفيذي، الثقافة التحليلية، الشراكة القوية بين إدارة الأعمال وتكنولوجيا المعلومات، والتعاون بين جميع أقسام الشركة.
برامج تطوير إداري
هل تملك الوزارة برامج تطوير إداري مقنع ومحكم وكوادر مميزة في مشروعها الإصلاحي؟ بهذا السؤال توجه عضو مجلس الشعب صفوان القربي، والذي بين التزايد المستمر لأهمية  إدارة الأعمال للمجتمع، مع الأخذ في الحسبان التطور التكنولوجي للحياة بشكل عام، لأن الإدارة تشكل عصب الحياة بسبب الحاجة الماسة لاتخاذ قرارات واعية مدروسة لتحقيق الهدف المنشود. وحيث ان الإدارة مفتاح للتقدم، فإن التركيز على خصائص النجاح للأعمال وازدهارها ينعكس إيجابياً في ترسيخ قيم وتقاليد العمل، وبذل الجهد، واحترام الوقت، وتنمية التفكير الحر، وتحمّل المسؤولية.
تأهيل الموظفين
ويرى عضو المجلس رياض شتيوي أن أغلب المؤسسات الحكومية لا تقوم ببناء موظفيها وخاصة الجدد منهم، متسائلاً: ماذا قدمت الوزارة لتأهيل الموظفين وشرح القوانين والمشاريع التي هي تمس المواطنين مباشرة؟ ويشير عضو مجلس الشعب إلى أنه من المعروف أن إدارة الكوادر البشرية تمثل العملية الإدارية في كل المؤسسات والإدارات لأنها تعتمد على مواردها البشرية في صياغة رسالتها ورسم سياساتها ووضع خططها وبرامجها وهؤلاء بقدراتهم وطاقاتهم ينفذون ما تم تخطيطه لذلك فإن إدارة الموارد البشرية ليست فناً في الممارسة يعتمد على الخبرات والمهارات الشخصية بل إنها تجمع بين العلم والفن، بينما لفت عضو المجلس اسكندر حداد إلى أهمية تفعيل مديريات التنمية الإدارية في المحافظات، وتساءل عضو المجلس طريف قوطرش عن دور الوزارة في الحلول الإدارية والإسعافية خلال الأزمة؟ وأكد عضو المجلس طارق دعبول ضرورة تنمية الذهن في العمل الإداري ضمن فريق العمل الواحد لما له فائدة على الجميع في الوزارة أو المؤسسة. وأكد عضوا المجلس أشواق عباس وأحمد مرعي أهمية تفعيل المعهد الوطني للإدارة العامة وإيلائه الاهتمام اللازم، بينما اقترح عضو المجلس محمد معروف السباعي نظام أتمتة للتقييم الوظيفي والإداري يربط بين المؤسسات والوزارة التي تتبع لها ويصب في وزارة التنمية الإدارية.
حالة عمل مستمرة
قال وزير التنمية الإدارية حسان النوري في تعقيبه على الاستفسارات والمداخلات التي طرحها أعضاء المجلس: إن الهيكلية المؤسساتية تعتمد على مفهوم الهيكل التنظيمي، مع التأكيد على أهمية التأهيل والتطوير في المؤسسات، مبيناً أن الوزارة في حالة عمل مستمرة وتواصل مع عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية لإنجاز هياكلها التنظيمية.
وقال الوزير النوري إن المعهد الوطني للإدارة العامة لم يلحظ احتياجات ومكونات المؤسسات الوطنية ولم يتناول الإدارة والاستراتيجية وأصول الإدارة العامة المطلوبة في المنهاج التدريبي والتعليمي، متابعاً: لذلك تشكلت لجنة خاصة بإشراف وزيري التنمية الإدارية والتعليم العالي بقرار من مجلس الوزراء للعمل على تهيئة المعهد الوطني للإدارة العامة كما يجب أن يكون.
كما أشار الوزير النوري إلى الحاجة لمنهجية المعهد الوطني للإدارة العامة والمعهد العالي لإدارة الأعمال وإلى تأهيل كادر مهني صحيح في المعهدين يعمل على المنهجية التعليمية التنموية التي ترتبط بالحاجة لسوق العمل العام أو الخاص.
ولفت الوزير النوري إلى أن الإدارة في سورية جاذبة للكفاءات ولكن الرواتب والأجور التي لا تتناسب مع المهام الجسيمة الملقاة على عاتق الكوادر البشرية تؤثر في جذب الكفاءات، موضحاً أن تحسين الرواتب والأجور يدرس بجدية للمرحلة القادمة.
وأشار الوزير النوري إلى أن مشروع الحكومة الإلكترونية رائد وأساسي ولكن هناك حاجة ماسة للإدارة الإلكترونية وإدارة الموارد والمؤسسات في الكثير من المؤسسات الوطنية، وهذا ما تم التوجيه بتنفيذه حالياً، مبيناً أن هذا المشروع قادم ولكنه يحتاج دراسة اقتصادية ودراسة إمكانات تطبيقه في مرحلة قادمة.

print