عندما نفكر ونعمل بصدق وإخلاص تنتفي العقبات التي يعود سببها إلى الفساد وسوء الإدارة وتصبح من الممكن بل من المحقق مواجهة التحديات الناشئة عن الحرب وعندها يظهر المقصر والفاسد ناتئاً شاذاً لا يستطيع أن يلقي بأسباب تقصيره وفساده على الظروف السائدة.. عندما نفكر ونعمل بصدق وإخلاص للوطن أولاً لا للذات أو المكاسب الشخصية تصبح رقابة مجلس الشعب على السلطة التنفيذية فاعلة وحقيقية قادرة على تقويم أدائها بما يخدم المواطن.. بهذه التوجيهات بدأ مجلس الشعب دورته الأولى في الدور التشريعي الثاني, وهذا ما يتوقعه الجميع مع بداية الدورة العادية الثالثة لمجلس الشعب في الدور التشريعي الثاني بعد أن اتخذ كل من النواب وأعضاء الحكومة مواقعهم وقطعوا شوطاً في تنفيذ مشاريعهم وأصبح في الإمكان تقييم ورصد الملفات الهامة بين أيديهم وفي مقدمتها مسؤوليتهم اتجاه تثبيت انتصارات الجيش العربي السوري وإعادة إعمار ما خربه الإرهاب, تجاه المواطنين الذين وضعوا آمالهم أمانة بين أيدي السلطتين التشريعية والتنفيذية.

مكافحة الظواهر الضارة
إذا كانت عودة الأمن إلى سورية والانتصار على الإرهاب واستعادة الأرض وإعادة إعمار الوطن هي ذلك الثمن الذي يجعل دماء أبطالنا وشهدائنا  الطاهرة لا تذهب هدراً فإن مكافحة الظواهر الضارة من فساد ومحسوبيات وفوضى وخرق للقانون هي الجزء الآخر من ذلك الثمن.. هؤلاء الأبطال قدموا أنفسهم دفاعاً عن الأرض والشعب.. عن البلاد بدستورها ومؤسساتها وقوانينها والثمن المطلوب من السلطتين التشريعية والتنفيذية  هو الحفاظ على الدستور.. وعلى المؤسسات وتطويرها.. وتكريس العدل وتكافؤ الفرص.. هؤلاء الأبطال قدموا أنفسهم من أجل استعادة الوطن كاملاً غير منقوص.. والوطن كاملاً هو كل تلك العناصر وملف مكافحة الظواهر الضارة عبء ثقيل ومازال المواطن ينتظر صدور قانون مكافحة الفساد ويتساءل عن أسباب التأخير والتأجيل. وبهذا الشأن يؤكد عضو مجلس الشعب محمود عكام على دور المجلس في مكافحة الفساد لافتاً إلى أهمية دور القانون الاخلاقي في قمع الفساد والمفسدين ولاسيما أن الفساد آفة من الآفات التي تصيب المجتمع كالفقر والجهل والتخلف, موضحاً أن العبرة ليست فقط في سن القوانين لمحاربة الفساد بل في تطبيقها  لآن خطورة الفساد يمتد تأثيرها على التنمية القانونية والاجتماعية والاقتصادية… ويضيف :العمل البرلماني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأي عملية إصلاح, كما أنه يلعب دوراً أساسياً في رسم السياسات الاقتصادية الاجتماعية وتالياً هناك تشابك واضح في العلاقة بين  العمل البرلماني والتنمية بمفهومها الاقتصادي والبشري, وهذا الدور المحوري لمجلس الشعب يرتب متطلبات  ضرورية وأدوات لتعزيز قدرات أعضاء المجلس في أداء مهامهم الرقابية والتشريعية  كتأمين الدعم الفني للبرلمانيين من خلال تقديم خدمات فنية وإدارية ملائمة وكفيلة بتعزيز قدرة النواب والموظّفين البرلمانيين على تقييم التشريعات وإصدار قوانين تراعي حاجات المواطن.
ويرى عكام أنه في الإصلاح والتقدم لا بد من الركون إلى التطوير من خلال تقوية أجهزة التحليل. فيجب أن يكون في كل برلمان أو مجلس الشعب  جهاز تحليلي يتمتع بالكفاءات العالية  والخبرات التقنية المتطورة يعمل كخلية بخدمة المجلس لتزويد أعضائه بكل الدراسات والاستشارات والاقتراحات الضرورية كي يكون للمجلس وأعضائه كل الإمكانات التي تمكنهم من رقابة أداء السلطة التنفيذية.
تعزيز صلاحيات الأعضاء
ويطالب أعضاء في مجلس الشعب بضرورة التطوير المستمر والتفاعل النشط للمجلس عبر لجانه الدائمة والمؤقتة نظراً لدورها المحوري في إعداد ودراسة واعتماد التشريعات, انطلاقاً من رؤية واضحة  تعزز من صلاحيات الأعضاء  وتقلل من العراقيل في عمل أعضاء اللجان, كما إن تطوير اللجان و اللوائح الداخلية يجب أن يحصل ضمن إطار  يساعد على زيادة مرونة تحركه. ومن ذلك إنشاء لجان لمكافحة الفساد مع تسهيل إمكانية تواصلها المباشر مع الأجهزة الرقابية في الدولة لرصد الفساد والاطلاع على التقارير والمعلومات التي تتعلق بقضايا هدر أو فساد في المال العام، إضافة إلى ضرورة تعزيز إمكانية تعاون هذه اللجان مع جهات حكومية وغير حكومية لتعزيز قدراتها في صياغة القوانين الحديثة والصارمة في مواجهة حالات الفساد وما يرتبط به.
ويرى عضو مجلس الشعب صفوان القربي أهمية تطوير التشريعات والقوانين التي ترعى وتعزز الهيئات الرقابية والقضائية والإدارية المختلفة والمسؤولة عن مراقبة حسن تطبيق القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، وتعزيزها بكل الإمكانات اللازمة والحرص على توفير استقلاليتها بعيداً عن التدخلات والمؤثرات على  أداء نشاطها.
ويقول: في هذا الأمر لابد من مراعاة الدور الحاسم للقضاء في تفعيل مفهوم و مضمون  ضمان سيادة القانون عبر الحد من تدخل السلطات التنفيذية.
الرقابة على المال العام
ويضيف القربي: إن الرقابة البرلمانية على تنفيذ الموازنة تشكل أساس الرقابة المالية,  وإذا كانت هناك أشكال أخرى من الرقابة كالرقابة الإدارية والرقابة القضائية، فهي ليست إلا لمساعدة السلطة التشريعية، وتسهيل مهمتها في ممارسة هذه الرقابة، والتأكد من أن السلطة  قد تقيدت بمضمون القرارات المالية التي تمّ إقرار الموازنة على أساسها, فالرقابة كانت تنحصر أساساً بالتصديق على قانون قطع حساب الموازنة، أي بعد أن تكون السلطة التنفيذية قد انتهت من تنفيذ الموازنة، ولذلك كانت تشكل نوعاً من الرقابة المؤخرة الشكلية والتي لا فعالية لها.  وبسبب شكلية هذه الرقابة  وإصرار المجلس على تأكيد حقه في الإشراف على تنفيذ الموازنة، يلاحظ أن الرقابة تطورت مع الوقت حتى أصبحت تمارس بالتزامن مع تنفيذ الموازنة.
ويوضح القربي أن الرقابة البرلمانية خلال تنفيذ الموازنة تنبثق أساساً من طبيعة النظم البرلمانية التي تمنح البرلمان أو المجلس حق مراقبة أعمال السلطة التنفيذية في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية وتحميلها مسؤولية أي إهمال أو تقصير أو مخالفة في أدائها أو في أداء الوزراء لمهامهم, وعليه يكون من الطبيعي أن تشمل هذه الرقابة الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية ضمن إطار تنفيذ الموازنة كما أن ممارسة هذه الرقابة تتمثل بالأسئلة والاستجوابات التي يحق لأعضاء المجلس طرحها على الحكومة والوزراء لاستيضاح كل ما يريدون معرفته حول كيفية أدائهم,  ويمكن للمجلس أن يمارس هذا الشكل من الرقابة في كل مرة تتوجه إليه الحكومة وهذا يتيح  للأعضاء فرصة مناقشة الحكومة في أسلوب تنفيذها لأعمالها بما في ذلك كيفية إنفاق الاعتمادات المرصدة وجباية الواردات وحفظ المال العام, وفي حال اكتشف المجلس مخالفات مالية أو هدراً للمال العام  ترتكب من قبل الحكومة مجتمعة أو من قبل أعضائها في تنفيذ الموازنة، يمكن له عند ذلك أن يحرك المسؤولية عبر حجب الثقة عن الحكومة أو عن الوزراء الذين أخلوا بالقواعد الخاصة بالمال العام.
الرقابة البرلمانية
ويشير القربي إلى أن إقرار الموازنة من قبل المجلس يتم على أساس أرقام تقديرية لكل من النفقات والواردات، حيث يجب على الحكومة أن تنفذ برنامج عملها المالي ضمن هذه الأرقام, وبنتيجة التنفيذ يمكن أن تختلف أرقام النفقات والواردات المنفذة فعلياً عن الأرقام المقدرة، فيصبح من الضروري إعداد حساب نهائي بالواردات وبالنفقات التي نفذت فعليا ليتم عرضه على السلطة التشريعية للمصادقة عليه, وهذا الحساب النهائي يسمى قطع حساب الموازنة الذي يتضمن معلومات دقيقة ونهائية عن الاعتمادات الأساسية الملحوظة في قانون الموازنة، وعن الاعتمادات الإضافية المفتوحة لاحقاً لها، وعن النفقات المصروفة فعلياً إضافة إلى الاعتمادات الواجب تدويرها إلى السنة التالية, كما يتضمن أيضاً معلومات عن مجموع المبالغ المحصلة فعلياً من الواردات إضافة إلى تقديرات الواردات الأساسية المقدرة في قانون الموازنة، وكذلك المبالغ المتبقية من دون تحصيل, من هنا يبدو بوضوح أن قانون قطع حساب الموازنة وضع لتوضيح نتائج تنفيذ سنة مالية منتهية، بينما الموازنة توضع لتنفيذ برنامج سنة مالية مقبلة.
ونظراً لحرص السلطة التشريعية على إقرار قانون قطع حساب الموازنة، فقد أوجبت الأحكام الدستورية والقانونية لمعظم الأنظمة البرلمانية إعداد قانون قطع حساب الموازنة لكل سنة وعرضه على المجلس لمناقشته وإقراره بعد التثبت من احترام الحكومة لإرادته في تنفيذ الموازنة والحفاظ على المال العام.
الإعلام ومجلس الشعب
ضمن إطار ترسيخ نشاط البرلمانات ومجالس الشعب  وتفعيل أدائها هناك حاجة دائمة لاستخدام وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة لتعميق الثقافة الديمقراطية والبرلمانيــــة، وتعـــريف المــــواطنين بأهميـــــة المجلس ودوره كمؤسسة تمثل مصالحهم، و رفع مستوى الوعي الجماهيري بضرورة المشاركة في الانتخابات البرلمانية و متابعة أعمال المجلس.
ويلفت عضو المجلس أكرم العجلاني أن تحقيق هذه الغاية يكون عبر تقديم الدعم الإعلامي لأعضاء المجلس من خلال تخصيص برامج تلفزيونية و إذاعية و مواقع صحفية تعكس أنشطتهم واقتراحاتهم لحل المشكلات التي يواجهونها في عملهم و تخصيص أوقات محددة لبث جلسات المجلس بصورة مباشرة على شاشات التلفزيون، وإذاعة مقابلات مسجلة أو مصورة مع أعضاء المجلس لعرض وجهات نظرهم إزاء مختلف القضايا التي تهم المواطنين, وهذا الأمر يقتضي أيضاً بذل كل الجهد لتحسين العلاقة و تفعيلها بين أعضاء المجلس وهيئات المجتمع والتواصل مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية  ورموزها  بمختلف الوسائل للتعرف على مشكلاتها ومطالبها وإشراكها باقتراح الحلول المناسبة.. ويرى العجلاني أن استخدام وسائل الإعلام، ولاسيما التلفزيون، كوسيلة لإقامة الحوار بين أعضاء المجلس والحكومة وسيلة فاعلة لتلاقي الأفكار و تزويد المواطنين بالمعلومات الصحيحة عن ممثليهم في المجلس.
كما إن هناك ضرورة لتطوير أدوات الاتصال الخاصة بالمجلس كالنشرات الخاصة و الدوريات والمجلات، وإنجاز تقارير دورية (شهرية وفصلية أو سنوية) تتضمن بيانات ومعلومات عن أنشطة المجلس إضافة إلى دعوة أعضاء المجلس للاستعانة بالخبرات الإعلامية والاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة، وخصوصاً شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).
آليات المساءلة والمحاسبة
وعن دور المجلس في مكافحة الفساد يؤكد عضو المجلس أكرم العجلاني أنه دور ونشاط دائم وعمل دؤوب يسعى إلى إيجاد  وتعزيز مؤسسات وآليات المساءلة والمحاسبة الفاعلة في الحقل العام ،وعبر بناء نظام من الشفافية والنزاهة ضمن إطار العمل المؤسسي ما يمكّن من قيام تعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية, وهناك حاجة ملحة ودائمة لتحفيز دور أعضاء المجلس على ممارسة مسؤولياتهم بما يتمشى مع السلطة الممنوحة لهم من المواطنين، فالديمقراطية تبقى عنواناً فارغاً ما لم تحقق قيام مجلس فاعل وقادر يمارس واجباته ويتحمل مسؤوليته الكاملة في التشريع والرقابة والمساءلة التي تحقق النزاهة والشفافية وترسخ ثقافة مكافحة الفساد التي تتجاوز كل التحديات في سبيل تحقيق النمو والازدهار والتنمية المستدامة التي يصبو إليها المواطن.

print