في الوقت الذي فقدت فيه الكثير من الأدوية المحلية الصنع وبات البديل المطروح أدوية مستوردة ضعيفة الفاعلية وباهظة الثمن أصبح السؤال عن تأمين الخدمات الطبية والأدوية بما يتناسب مع المستوى المعيشي للمواطن أمراً ملحاً.
ولم تكن المرة الأولى التي تطرح خلاله لجنة الخدمات والإدارة المحلية في مجلس الشعب  موضوع الدواء على طاولة البحث بين وزارة الصحة وعدد من أصحاب المعامل الدوائية.. لكن اللافت أن التوقيت مع تحقيق الانتصارات في حلب وعودة الحياة إلى العجلة الاقتصادية بما فيها الصناعات الدوائية مهم جداً.

تصنيع دواء جيد
وفي وقت رأى فيه بعض أعضاء المجلس ضرورة أن تكون محددات أي تعديل لسعر الدواء هي التكلفة وقدرة المواطن الشرائية وضمان توفر الأصناف في السوق حسمت الوزارة النقاش بنفي وجود أي زيادة على أسعار الدواء وقال وزير الصحة الدكتور نزار يازجي: إنه لا توجد دراسة أو مجرد فكرة لزيادة سعر الدواء، مبيناً أن هدف الاجتماع وضع خطوط عريضة من أجل «تصنيع دواء جيد بسعر رخيص وزيادة الإنتاج وعدد معامل الدواء من أجل التصدير للخارج بعد إشباع حاجة السوق المحلية».
ورأى وزير الصحة أن مطالب أصحاب المعامل برفع سعر الدواء «محقة إلى حد ما» باعتبار أن تكاليف التصنيع ومستلزماته ارتفعت من جراء الظروف الراهنة والإجراءات الاقتصادية أحادية الجانب المفروضة على سورية «لكن أي دراسة تخص هذا الموضوع تأخذ بالحسبان المواطن أولاً» كاشفاً عن دراسة لتحرير السعر التصديري للدواء واجتماعات حكومية متواصلة لإيجاد حلول تنصف المعامل.
وأكد الوزير يازجي «أنه لا خوف على فقدان أي صنف دوائي باعتبار أن المادة تصنع بأكثر من معمل» مبيناً أن الضابطة العدلية ستكثف خلال الفترة القادمة دورياتها على الصيدليات ومستودعات الأدوية مع ملاحظة أخطاء كثيرة فيها.
وعن إجراءات تسجيل الدواء أوضح وزير الصحة «أن مدة اختبار الأصناف الجديدة تقلصت بشكل كبير وهناك سعي دائماً للحد من البيروقراطية» مبيناً أن «تحليل كل طبخات الأدوية المنتجة في حلب هدفها ضمان الأمن الدوائي رغم الوقت الذي قد يحتاجه هذا الأمر».
وفيما يخص معامل الأدوية الحكومية أشار الوزير يازجي إلى أن الوزارة تدعم معمل تاميكو بشتى الوسائل لاسيما أنه واجه تحديات كبيرة وتمكن من العودة للإنتاج بإمكانات كوادره أما معمل الديماس فأصبحت تبعيته لمركز البحوث وبإشراف وزارة الصحة.
مهمة صعبة
من جهته رأى رئيس لجنة الخدمات في مجلس الشعب الدكتور صفوان قربي أن ضبط ملف الدواء «مهمة صعبة» للتوفيق بين مطالب أصحاب المعامل الدوائية الذين التزموا بالإنتاج وإمداد السوق بالمنتجات الدوائية رغم كل التحديات والمواطنين الذين يعانون واقعاً معيشياً واقتصادياً صعباً.
بدوره نقيب الصيادلة الدكتور محمود الحسن قال: «إن الصناعة الدوائية كانت خلال الأزمة الدعامة الثالثة للاقتصاد الوطني لذلك يجب بذل كل الجهود للحفاظ عليها ومنع انهيارها» مبيناً أن دعم هذه الصناعة يعود بالفائدة على المواطن أولاً لأنه يخفف من الاعتماد على الأدوية المستوردة «التي تفوق سعر المحلي بأضعاف».
وفي مداخلات أصحاب معامل الدواء تمت المطالبة بدعم المعامل قبل أن تصل لمرحلة الاستسلام «عبر وضع سعر للدواء يناسب سعر التكلفة وأجور مستلزمات الإنتاج، فيما بين المجتمعون أن عدم تعديل التسعيرة خفض إنتاج المعامل بشكل كبير في وقت بإمكان خبراتها ومؤهلاتها أن تنتج جميع أصناف الأدوية بما فيها السرطانية».
بالمقابل قدم أعضاء مجلس الشعب بعض الطروحات واقترح موعد ناصر أن يكون دعم المعامل عبر تأمين مستلزماتها الأساسية من ماء وكهرباء ومحروقات لتخفيف جزء من التكلفة عنها، فضلاً عن رفع السعر التصديري للدواء، فيما رأت الدكتورة أميرة استيفانو ضرورة «تسويق أي قرار لتعديل السعر بشكل جيد ليتقبله المواطن» كما تحدث آخرون عن «نقص بعض أصناف الأدوية في الأرياف والشكوى من عدم فعالية الدواء ووجود أشخاص غير مؤهلين في الصيدليات».
واقع الصناعات الدوائية
عن واقع الصناعات الدوائية يرى الدكتور صفوان القربي رئيس لجنة الخدمات أن الصناعات الدوائية الوطنية قبل الحرب الإرهابية كانت تغطي نحو 92 بالمئة من حاجة السوق المحلية عبر 70 معملاً لكن ونتيجة الاستهداف الإرهابي لها خرج نحو 16 معملاً عن الخدمة وانخفضت التغطية إلى 70 بالمئة واليوم عاد معظمها للعمل وارتفعت النسبة إلى 89 بالمئة.
ولفت القربي إلى أن القطاع الصحي من القطاعات التي استهدفتها العصابات المسلحة منذ بداية الأزمة، وقد دفع الكثير من العاملين فيه دماءهم، ودمر الكثير من بناه التحتية وتجهيزاته نتيجة هذا الاستهداف.
وقطاع الصحة هو القطاع الحيوي الذي يقدم خدماته الطبية والعلاجية لكل شرائح المجتمع، وبالرغم من هذا التخريب بقيت مديريات الصحة في المحافظات تقدم خدماتها من خلال المرافق الصحية المتبقية والتي تعمل بأقصى جهد ممكن واستنفار دائم لكل الطواقم الطبية والفنية.
تزايد الأمراض البيئية
وقال الغربي: أضف إلى ذلك خروج منظومة الإسعاف من الخدمة في بعض المحافظات التي يوجد فيها المسلحون وفقدان خدمة الطوارئ وتزايد عدد الإصابات بالشظايا والطلقات النارية نتيجة لتردي الأوضاع الأمنية في تلك المحافظات وأيضاً ضعف خدمة التواصل والاتصال معها، ما تسبب في نقص أو صعوبة وصول البيانات وعرقلة تقديم الخدمات الطبية والصحية وصعوبة ضبطها والإشراف عليها.
وكذلك تزايد معدلات الإصابة بالأمراض البيئية المزمنة المترافقة مع ظاهرة النزوح والتكدس السكاني التي أفرزتها الأزمة.
ارتفاع عامل الخطورة
وكشف الدكتور القربي أن من التحديات التي تواجه الملف الصحي عامة والدوائي خاصة إصابة الجانب الاستثماري بحالة من الجمود بسبب ظروف الأزمة ونتيجة لوقوع المشاريع الاستثمارية في مناطق ساخنة غير آمنة بالتزامن مع التضخم وارتفاع الأسعار وتغير الأولويات، إضافة إلى تعرض أغلب المنشآت والمرافق الصحية لأعمال تخريب طالت الأبنية والمعدات والآليات والتجهيزات والمواد الطبية كما أن ارتفاع عامل الخطورة في النقل والانتقال ضمن بعض المناطق ما تسبب بضعف طرق الإمداد الطبي والدوائي، إضافة إلى صعوبة وصول متلقي الخدمة الصحية ومزوديها إلى المشافي والوحدات الصحية.
ويلفت الدكتور القربي إلى ارتفاع احتمالات تزايد المرض وانتشار الأوبئة بالتزامن مع ضعف عمل القطاعات الخدمية الأخرى مثل (الكهرباء- المياه- الاتصالات- التعليم- الطرق- البيئة..)
تجاوز الضغوط
وأمام هذا الواقع الصحي والملف الدوائي الصعب تلوح في الأفق بوادر مبشرة بمجموعة من الاقتراحات التي تعيد العافية لهذا الملف ويمكن أن تتركز على مجموعة من نقاط القوة التي سمحت له بالصمود في وجه التحديات التي تعرض لها، حسب الدكتورة فاديا ديب، ومن أهمها:
وجود بنية تحتية طبية معقولة في مختلف المحافظات من مشافٍ عامة وخاصة وهيئات مستقلة ومراكز صحية تعمل بإشراف وزارتي الصحة والتعليم العالي تهدف لتقديم الخدمة الطبية والرعاية الصحية للمواطنين واستمرار الدعم الممكن من الإدارة المركزية لوزارة الصحة على صعيد تأمين الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية ما يساهم في استقرار المخزون الاستراتيجي الدوائي للقطاع الصحي عامة، وأيضاً تضافر جهود الوزارة بالتعاون مع الهلال الأحمر وهيئات المجتمع الأهلية والجمعيات الخيرية العاملة في مجال الصحة، إضافة إلى المنظمات الدولية وغير الحكومية التي ساعدت في تقديم الرعاية الصحية خاصة في المناطق التي يوجد فيها المسلحون.
واستمرار تزويد المشافي العامة والخاصة بالكميات اللازمة من الوقود الضروري للمولدات لاستمرار عمل المشافي بالحدود المعقولة.
وتعدد حملات اللقاح وخاصة لقاح شلل الأطفال تحت عمر الخمس سنوات (6 حملات متتابعة) بهدف ضبط انتشار العدوى بشلل الأطفال وخاصة في الريف وبقية المناطق غير الآمنة وتجمعات الإيواء. وأخيراً استمرار نشاط القطاع الصحي الخاص على صعيد المشافي في تقديم الخدمات الصحية رغم الظروف الصعبة والمعوقات الكثيرة لعمل هذا القطاع.
أولويات المرحلة القادمة
وعن أولويات المرحلة القادمة ترى الدكتورة فاديا ديب عضو مجلس الشعب أن المطلوب حلول ابتكارية وإسعافية وفي مقدمتها الاستمرار في تأمين المواقع البديلة للمنشآت  الطبية التي خرجت من الخدمة وخاصة المشافي والمستودعات الرئيسة (من خلال تجهيز مبنى الأورام) وتخطيط إعادة إعمار القطاع الصحي بناءً على أسس ومؤشرات حقيقية تدعم مبدأ العدالة في توزيع الخدمة الصحية ومن خلال سياسات تمويل مرنة وعادلة تؤدي لإقامة مشاريع ذات جدوى اجتماعية واقتصادية.
وترميم الكادر الطبي والفني والخدمي في مديريات الصحة اعتماداً على ذوي الكفاءات من جيل الشباب وإعادة هيكلة القطاع الصحي العام والخاص والمشترك وتمويله بناءً على أسس علمية صحيحة مع وجود فرصة لخلق تأمين صحي حقيقي يخدم المواطن من خلال تغطية شاملة وفق تمويل واضح وعادل ومن المهم استمرار دعم هذه المديريات بالمستلزمات الطبية والدوائية وخاصة أدوية الأورام وأدوية الأمراض المزمنة واللقاحات، وقد وصل مؤخراً إلى مديرية صحة حلب 50 طناً من الأدوية والمستلزمات الطبية تتضمن اللقاحات وأدوية الأورام وأدوية الأمراض المزمنة (السل- السكر- التصلب اللويحي..).
وتلفت الدكتورة ديب إلى موضوع استمرار الدعم بالتجهيزات الطبية الضرورية لضمان تواصل تقديم الخدمات الطبية والصحية كماً ونوعاً.
تشديد الرقابة على
الصيدليات والأدوية
من جهة أخرى دعا أعضاء المجلس في مداخلاتهم إلى مراقبة الصيدليات ومراقبة الأدوية وجودتها في الشركات الدوائية والصيدليات بشكل دوري ومنتظم ومن دون أي تهاون عبر تعاون مشترك مع النقابات الطبية، وبين الأعضاء ضرورة قيام الوزارة بـ «إعادة تسعير الأدوية المنقطعة فقط».
مشيرين إلى أن الأدوية السرطانية تقدمها مشافي الوزارة مجاناً وفق دراسة أعدتها الوزارة للتخفيف من العبء على الدولة حيث يتم استجرار الأدوية السرطانية والمزمنة عن طريق فارمكس عبر الخط الائتماني الإيراني.
وأشار الأعضاء إلى أن على وزارة الصحة أن تعمل على إجراء عقود صيانة لبعض الأجهزة واستجرار واستبدال بعض الأجهزة لصعوبة إصلاحها إضافة إلى سيارات الإسعاف ليتم توزيعها على المراكز الصحية وفقاً للاحتياجات والأولويات إضافة إلى دراسة بعض المناطق التي يمكن إحداث مراكز صحية فيها.
وأشار الأعضاء إلى أن بعض المشافي الخاصة تعاني صعوبة تأمين بعض الأدوية مثل الأدوية المخدرة والخيطان لقلتها إضافة إلى ارتفاع سعرها بشكل كبير مثل السيرومات والخيطان والأدوية التخديرية والكحول والمواد البلاستيكية، ويطالب أصحاب المشافي الخاصة بضرورة توفير مستلزمات العمل الجراحي للمشافي الخاصة التي تقدم خدمات كبيرة وتخفف عبئاً عن المشافي العامة.

print