اعتمدت الدول الغربية في حروبها التي شنتها على العراق وصولاً إلى يوغسلافيا مروراً بسورية واليمن وليبيا وأفغانستان على استهداف البنى التحتية وفي مقدمتها المياه بشكل ممنهج لحرمان ملايين الأشخاص من هذا العنصر الحيوي المهم وكل ذلك يتم تحت مسمى «الحرب النظيفة».
يعد استغلال المياه في النزاعات المسلحة استراتيجية قديمة تعود لقرون خلت، وحسب عالم الجغرافيا الفرنسي فيليب بولانجي فقد كانت استراتيجية تحويل مصادر المياه متبعة خلال الحروب منذ ما قبل الميلاد  بقرون عدة.
وحسب المؤرخ الفرنسي جان نيكولا كورفيزييه فقد كان هناك وعي حول عدم استعمال الأسلحة المحرمة وعدم تسميم المياه وعدم حرمان المدن منها خلال الحروب في بلاد الإغريق .
وبات جلياً في الوقت الحالي وبعد 2500 سنة ورغم التطور الذي طرأ على القانون الدولي استغلال المياه كسلاح في الحروب كما يفعل الغرب في حروبه السرية والعلنية .
ففي أيلول 2016 تحدثت صحيفة «هافينغتون بوست» عن قيام الإرهابيين في سورية بتدمير منابع المياه التي تزود ملايين السكان في الأحياء الغربية لمدينة حلب، وكذلك الحال في شهر كانون الأول الماضي عندما قام الإرهابيون بقطع مياه نبع عين الفيجة التي تزود أكثر من 5 ملايين نسمة في دمشق  بالمياه وقاموا أيضاً بتلويثها بالوقود وغيره من الملوثات .
وأمام هذا الواقع المرير فإن الحكومة الفرنسية وحلفاءها الذين يدعمون الإرهابيين لم يحركوا ساكناً أمام حرمان ملايين السوريين من المياه، لا بل قامت فرنسا بكيل «الاتهامات» الباطلة إلى الجيش العربي السوري .
إن تواطؤ الغرب فيما حدث لم يكن أمراً مستغرباً، لأن النظم المائية كانت دائماً عرضة للضربات العسكرية من قبل الدول الغربية خلال حروبها السابقة ضد يوغسلافيا وأفغانستان وليبيا واليمن وسورية .
وكانت الحرب على كوسوفو أول مثال في العصر الحديث على مفهوم ما يسمى «الحرب الإنسانية» أو مايمكن تسميته «التدخل الإنساني» وحسب الأستاذ الجامعي جان بابتيست جانجين فيلمر فإن الضربات الجوية لحلف شمال الاطلسي «ناتو» ضد كوسوفو سببت كارثة إنسانية، وتعد المثال الأبرز لخرق مفهوم «النسبية» حيث كان التطهير العرقي يحدث بعد كل ضربة جوية ففي كانون الثاني 2001 أدان تقرير الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي التأثير السلبي لحرب «ناتو» ضد كوسوفو وصربيا إذ أكد أنه بين 24 آذار و 5 حزيران من عام 1999 تم تدمير بالصواريخ 78 موقعاً صناعياً بالصواريخ و42 منشأة للطاقة في يوغسلافيا، الأمر الذي أدى إلى تلوث المياه والهواء والتراب بمواد خطرة وهو ما شكل خطراً على المياه الجوفية .
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد أكدت آنذاك قيام حلف شمال الأطلسي بعد شهرين من قصف الغرب ليوغسلافيا بتدمير شبكات الكهرباء والمياه في البلاد .
وكذلك الحال في أفغانستان حيث قصف حلف «ناتو» شبكات الكهرباء والمياه فيها وأدى إلى حدوث حالة من الجفاف طوال ثلاث سنوات .
إن استهداف البنى التحتية ولاسيما المتعلقة بالمياه يؤدي إلى نتائج كارثية، وحسب المادة 54 من بروتوكول اتفاقيات جنيف في العام 1949 فإن أعمالاً كهذه تعد جرائم حرب، وهنا نتساءل ضمن أي إطار تندرج الحروب ضد ليبيا واليمن التي حرمت الملايين من المياه؟.
وفي مطلع العام 1991 أعلنت فرنسا والولايات المتحدة وحلفاؤهما «حربهم النظيفة» على العراق لكن ما حدث كان أشد قذارة مما يمكننا وصفه، حيث لقي مليون مدني عراقي نصفهم أطفال حتفهم بسبب العقوبات التي تمّ فرضها على العراق ولاسيما حظر أجهزة معالجة المياه، ما أدى إلى انتشار الأوبئة على صعيد واسع .
لقد حرمت «الحرب النظيفة» على ليبيا أكثر من أربعة ملايين ليبي من المياه ومازال الوضع في تدهور مستمر، وفي العام 2015 أدى «التحالف» الذي تقوده السعودية بدعم من الدول الغربية ضد اليمن إلى كوارث إنسانية، إذ لم يكتف الغرب مثل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا بتقديم الدعم العسكري للسعودية، بل تواطأ مسؤولوهم العسكريون في التخطيط وتحديد أهداف الضربات العسكرية السعودية في اليمن .
وحسب تقرير صادر عن منظمة «يونيسف» مطلع العام 2016، هناك 19 مليون يمني يعانون نقصاً حاداً في المياه والخدمات الطبية بسبب العدوان السعودي على اليمن، ما أدى إلى انتشار الأوبئة والأمراض مثل الكوليرا بين السكان .
يبدو أن الوضع في اليمن ليس من أولويات حلف شمال الأطلسي الذي انصب جل اهتمام مسؤوليه ووسائل إعلامه على الأحياء الشرقية لمدينة حلب التي استطاع الجيش العربي السوري تحريرها مؤخراً من إرهابيي تنظيم «القاعدة» الذين يطلق عليهم الغرب تسمية «المعارضة المعتدلة» على الرغم من أيديولوجيتهم التي باتت معروفة .
خلاصة القول: إن دول حلف شمال الأطلسي قدمت الدعم «للتحالف السعودي» في حربه على اليمن، والمرتزقة التكفيريين في سورية في خرق واضح لاتفاقيات جنيف لحقوق الإنسان ولاتزال تدّعي حتى اليوم أنها تشن «حروباً نظيفة» أودت بحياة الملايين من البشر .

print