أبو بكر عبد القاهر الجرجاني مؤسس علم البلاغة، أو أحد أبرز مؤسسيها، ولا تزال كتاباته، مثل «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز» وغيرهما، تستقطب اهتمام طيف واسع من المثقفين والباحثين، وربما يعود ذلك إلى تركيز الجرجاني في كثير من كتاباته على منطق اللغة، أو عقلنتها، فضلاً عن ميله الواضح لأولوية المعنى على اللفظ، يقول في «أسرار البلاغة»: «الألفاظ خَدَمُ المعاني والمُصرَّفةُ في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستهَا، المستحقَّةَ طاعتها، فمن نَصَرَ اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جِهَته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنّة الاستكراه، وفيه فَتْح أبواب العيب، والتَّعرُّضُ للشَّيْن، ولهذه الحالة كان كلامُ المتقدِّمين الذين تركوا فَضْل العناية بالسجع، ولَزِموا سجِيَّةَ الطبع، أمكنَ في العقول، وأبعَد من القَلَقِ، وأَوضحَ للمراد، وأفضل عند ذوي التَّحصيِل، وأسلمَ من التفاوتِ، وأَكْشَفَ عن الأغراض».
عاش الجرجاني ثقافة عصره، في وسط يذهب فيه أهم النقاد إلى الانحياز إلى اللفظ ويقدمونه على المعنى، وكان يحس بوعي نقدي أن ثنائية اللفظ والمعنى عند ابن قتيبة، على سبيل المثال، تشكل خطراً على البلاغة، فتقديم اللفظ، يقتل الفكر، لأن الفصاحة ليست في اللفظ، وإنما هي في العملية الفكرية التي تصنع تركيباً فصيحاً من الألفاظ. وأنت تقرأ الجرجاني ستلاحظ أنه أشد معاصرة لنا من جميع من يدعون دفاعهم عن اللغة العربية، أو دراستها وفق الألسنية الحديثة، يتحدث عن المعنى، ومعنى المعنى، الأول ما يتسرب إلى عقولنا من ظاهر الكلام، والثاني ما يمكن أن نطلق عليه المسكوت عنه في المعنى، فكرياً وجمالياً، أي أن معنى المعنى يضم حزمة واسعة من الدلالات والرموز والإشارات التي يود صاحبها إرسالها إلينا مصوغة في بنية كلامية جمالية تتوزع على قدرته على التصوير والتشبيه واستخدام الاستعارة والكناية والمجاز المرسل.
اكتشف الغربيون الجُرجاني الذي توفي سنة 1074، في بدايات القرن السابع عشر حين قام المستشرق الهولندي توما فون أرب (1584-1624) بطبع كتابه «العوامل المئة» بعدَ أن تمت ترجمته إلى اللاتينية، وكان ذلك في حدود سنة 1617.  ومُنذ ذلك الحين، لم يفتر اهتمام العلماء بالجرجاني والاحتفاء بكتبه فترجَم بعضها إلى الإنجليزية، سنة 1814، أ. لوكت، وقرَّره في بَرامج التدريس بفور وليام في البنغال الهندية.  وازداد هذا الاحتفاء رسوخاً حين تجشَّم العَلّامة هلموت ريتر عناءَ تَرجمة «أسرار البلاغة» إلى اللسان الألماني سنة 1954. وبعدها اشتغل الدارسون على قراءة آثار الجرجاني وطبعها وتحقيقها.
سَبر الجرجاني بأدواته دلائل الإعجاز في كلّ كلام، وأدرك ما يشد جمهور القراء إلى الجانب الأدبي من النصوص، حتى سبَق كبار علماء الأسلوبية إلى معرفة قوانين الشعرية، وتَفَنَّن في وَصفها، فكان مؤثراً في أعمال بول ريكور أو جون كوهن في تحليلهما للقوانين الأدبيَّة. يصوغ الجُرجاني معالم هذا الفنّ بوضوح المُنَظِّرين الجدد، وعلى الأغلب يكون لوضع العلوم واكتشاف مَجالاتِ المَعرفة البِكر وقعٌ خاص عند المهتمين بتاريخ العلوم، وبما أنَّ الجُرجاني كان واضعَ العلم و«شيخَ الصناعة» فقد عاد النقّاد إلى تقسيمه لأبواب البيان، وَوضعه للمصطلحات، إضافة إلى تحليل أمّات المسائل العويصة فيها.

print