على ضفة الاشمئزاز من الوضع الرسمي العربي الممثّل بالجامعة العربية، تكاثرت دعوات سورية إلى إنشاء قطيعة مع «الماهية العربية» بوصفها عرضاً مقحماً، ومفروضاً بقوّة التاريخ على الواقع السوري المفارق, «ماهية» رهنتْ السوريين إلى الانكفاء والتخلف عن مساوقة التطور الذي أنجزه العالم المتقدم. وامتدت دعوات القطيعة إلى اللغة العربية، تحت مزاعم وفودها من خارج المنطقة السورية، وفرْضِها على السوريين بقوة الهمينة السياسية، بدليل تنحيتها عن ألسنة السوريين الذين لا يستعملون العربية «السليمة» في أحاديثهم اليومية، وبقية شؤون الحياة. فالعربية، وفق هذا الزعم، لغة ميتة متحجّرة في النصوص، خلافاً للغة الحيّة التي تستمد صفتها «الحية» من عيشها على ألسنة الناس. والبديل اللغوي المقترح ماثل في «اللغة العامية» التي تحيا على ألسنة العموم الذين يتداولونها بتلقائية نظيفة من الافتعال, والتحضير المسبق في مطبخ الدماغ. يودعونها عواطفهم، وانفعالاتهم، فرحاً، وحزناً، وألماً، بتلقائية التداول. إذ يستحيل وجود أحد يعبّر عن فرحه التلقائي المباشر بالعربية الفصيحة، ولا أحد يندم، أو يبكي، أو يسخط، أو يشتم، أو يتألم بتلك اللغة المعزولة عن حياة الذين ينتظرون اليوم الذي تتحول فيه مناهج التعليم الرسمي إلى استعمال العامية.
الأسهل، والأدنى إلى رأس اللسان في مناقشة هذه المزاعم، أنها مزاعم سخيفة، لا تستحق الردّ. غير أن الإمعان في التزام مواقف الاستخفاف من شتى الممارسات والظواهر المحشورة تحت صفة السخافة يسهم في تحويل «السخيف» إلى واقع, سرعان ما يصير واقعاً قوياً، يستمد قوته من كونه واقعاً قائماً إلى درجة الرسوخ في الزمان والمكان. لا  نستطيع التعامي عن الثنائية القائمة في صلب التكوين الثقافي/الاجتماعي في عموم المنطقة العربية: «ثنائية العامية والفصحى» وهي ثنائية تنتاب صميم عملية التفكير، عبْر استحالة الفصل بين الفكر واللغة، إلا على أسس اعتبارية يقتضيها الدرس. فالتفكير حوارٌ يجريه المرء مع نفسه عبر لغة ما. ومن هنا تنشأ العلاقة الاشتراطية بين نظام اللغة ونظام التفكير، فكلما كانت اللغة  المستعملة في التفكير سليمة كان التفكير سليماً، مكررين في هذا الشأن ما ذهب إليه السوفييتي ألكسي تولستوي بخصوص اضطراب التفكير الناشئ عن استعمال لغة مضطربة.
اللغة هي النظام الإشاري الأرقى الذي يستعمله الإنسان ضمن مجموعة نظم غير لغوية يستعملها الإنسان بشكل تلقائي كل يوم، كشاخصات المرور، وحركات الأيدي، وتعابير العيون. ويُعرّف النصّ، بأنه نظام داخل النظام. فالنص نظام ثانوي يستعمل نظاماً أوّلياً قبله, هو اللغة. واللغات بوصفها أنظمة إشارية تعيش تبايناتها وتفاوتاتها الحادة بين لغة ولغة، والقارّ «العلمي» في هذا الشأن أن اللغات المتمتّعة بأنظمة داخلية «قوية ودقيقة» هي اللغات الأرقى، والأقدر على الحياة، وعلى تلبية الحاجات الإنسانية التي ينشئها التطور المتسارع بطرائق انفجارية.
يذهب العالمان اللغويان الأمريكيان «وورف، وسابير» إلى أن طبيعة اللغة، وطبيعة أنظمتها الداخلية تحدّد مسبقاً مجمل الأشكال والمواد الثقافية المنتجة بهذه اللغة. هناك مجموعات بشرية تستعمل لغات عشوائية، تقلّ مفردات الواحدة منها عن عدد الألف كلمة «أصلاً واشتقاقاً» فما هي الثقافة التي يُستطاع إنتاجها بهذه اللغات المحدودة الفقيرة؟. وفي سياق حياتنا العربية المعاصرة عجز متكلمو العربية بمستوييها العامي والسليم عن إنتاج أي ثقافة «راقية» بوساطة العامية. وعجزت مجموعات لغوية ضيقة في المنطقة عن إنتاج «ثقافة» بوساطة لغاتها المفتقرة إلى الحد الكافي من الثراء, والتمتع بالنظام الداخلي المتين الدقيق. خلافاً للعربية السليمة التي أنتج بها المبدعون ثقافة عريقة هي التي أبقتها حية إلى اليوم. الإنتاج الثقافي بلغة ما هو الذي يحفظ اللغة من الاندثار, وهو الذي يحييها ويجدّد شبابها، وينشئها أيضاً. هناك إنتاج ثقافي باللهجات المحكية ضمن الموروث, كالأغاني، والأمثال الشعبية، والإنتاج الدرامي المعاصر. ولكن شتان ما بين ثقافة وثقافة: فلولا ما اختزنته لنا لغتنا العربية السليمة من تراث ثقافي عظيم لكنا أفقر مما نحن عليه الآن إلى حدود الإيغال في الفناء.

print