أخلاقيات الفكر العربي في عصر النهضة والدفاع عن الآخر

نضال بشارة

يعود الباحث عطية مسوح ومنذ أكثر من خمسة عشر عاماً بين حين وآخر إلى فترة النهضة العربية، وهو في كل مرة يقدّم ما يستحق الاستماع والتأمل والاستفادة, وهذا ما فعله أيضاً في محاضرته يوم أمس في رابطة الخريجين الجامعيين بحمص، فقد عاد للحديث عن «أخلاقيات الفكر العربي في عصر النهضة»، وهدفه التنبيه إلى مسألة هامة جداً، وهي ضرورة تعلمنا من أخلاقياتها, ولأجل ذلك كان مهاد محاضرته الإشارة إلى ضرورة محاولتنا التغلب على اليأس الذي أصابنا, وفق ما يقوله البعض بأن كل الأفكار التي طرحها النهضويون العرب في القرن 19 وأوائل الـ20 ذهبت سدى، أو تكاد تكون كذلك، وبقيت حبراً على ورق، مع أنه في الحقيقة حدثت نهضة ليست فقط في المجال الأدبي الفكري والعلمي، بل حدثت نهضة في المجال الاقتصادي والعمراني والاجتماعي, وهذه النهضة التي كانت قد انطلقت من مصر وبلاد الشام كبؤرتين هامتين, والأكثر تطوراً مما انطلق في دول عربية أخرىت.
وكل ذلك كسبناه بفضل مشروع النهضة العربية الذي يعود الفضل فيه لجهود مفكرين وسياسيين، وجانب ثالث نادراً ما تتم الإشارة له، وغير معروف للناس، وهم جماعة المفكر الفرنسي سان سيمون، الفيلسوف التنويري، الذي أحب معتنقو أفكاره أن يكرموه فارتؤوا أن يطبقوا أفكاره في أرض بكر، ولذلك تواصلوا مع محمد علي باشا ووضعوا لمصر مشاريع علمية كمشروع القناطر الخيرية، وهم الذين وضعوا أسس النهضة العلمية في مصر, ووضعوا مخطط قناة السويس، فحدثت نهضة حقيقية.
إن من أهم أسباب ضعف نتائج التنوير في بلداننا العربية اندماج مرحلتي العقلانية والتنوير، لأنه لم يحدث الاندماج على غرار ما حدث في أوروبا، حيث تم نقل مركز اهتمام الفلسفة من السماء إلى الأرض، وهو ما رسخ فلسفة العقل، في الجامعات والمدارس وانعكست على الأدب والفن, وجاء بعد ذلك مفكرو التنوير، ليعملوا على مهاد فلسفي عقلاني، في حين عندنا كانوا مضطرين إلى الدمج بين المرحلتين، ولذلك لم يستند التنوير لعقلانية راسخة، أي إن التنويرين العرب زرعوا تنويرياً في أرض غير محروثة عقلانياً، وبطبيعة الحال هذا الزرع لن يثمر.
أخلاق نهضوية
في أخلاقيات عصر النهضة يتحدث الباحث عن أمثلة كثيرة منها: محنة طه حسين التي شغلت الفكر العربي عشر سنوات، فطه حسين ديكارتي المنهج، وطبق ذلك على الشعر الجاهلي وصدرت محاضراته في كتاب، وتم الرد عليه بعشرة كتب ثم قاموا برفع دعوى ضده فأقرت المحكمة بإعدام الكتّاب، ثم برّأت المحكمة حسين من تهمة الكفر والإلحاد، وتم نقله من الجامعة المصرية إلى موظف في وزارة المعارف. فتضامن معه كل المفكرين الذين يتعارضون معه فكراً ومنهجاً وفي مقدمتهم العقاد، الذي سانده بقوة، والذي قال لسعد زغلول حين عاتبه لأنه دافع عن خصم لهم: أنا أدافع عن حرية الفكر. وهذا ما فعله أيضاً سامي الكيالي السوري وهو ممثل الجناح السوري للنهضة، تناسى خلافه معه وفتح مجلته «الحديث» للدفاع عن طه حسين, أما الموقف الأكثر جرأة فكان لرئيس الجامعة المصرية الذي قدم استقالته تضامناً مع طه حسين. والمثال الثاني حدث عام 1923 عندما أصدر مفتي الديار المصرية الذي حل محل الإمام محمد عبده، فتوى بتكفير الشيوعيين وأنه لا يجوز التعامل معهم لا بالزواج ولا بالوظائف، وعدَّ كل من ينتمي لحزب شيوعي كافراً، إلاّ أن رجال دين مصريين كباراً كتبوا ضد هذه الفتوى, وفتحت جريدة الوفد على الرغم من أنها تمثل سياسياً موقفاً مناقضاً للأحزاب الشيوعية، فتحت صفحاتها للرد على الفتوى.
وفي المثال الثالث، تحدث المحاضر عن علاقة الشيخ رشيد رضا بالمفكر شبلي شميّل، ورضا من تلامذة الإمام محمد عبده، وكانت علاقة نادرة فوحده من استقبل على صفحات جريدته «المنار» كتاب شبلي شميّل الذي شرح فيه كتاب دارون عن نظرية النشوء والارتقاء فنشره له كمقالات في جريدته في حين اعتذرت كل الجرائد التي راسلها شميّل لنشرها, وعندما توفي شميّل رثاه رشيد رضا، وردّ فيما بعد على من لامه لأنه رثى شخصاً مثله، بالقول «أنا أرثي الأخلاق الرفيعة».
وفي المثال الرابع تحدث مسوح عن العلاقة بين الشاعرين أحمد زكي أبو شادي، وأحمد شوقي، والتناقض بين الكلاسيكية في الشعر والرومانسية، وكيف دعا أبو شادي أحمد شوقي للاجتماع التأسيسي لحركة «أبولو» الأدبية، ورشحه لأن يكون رئيسها، فألقى شوقي قصيدة يشيد بهذه الحركة، وعندما توفي بعد أيام قليلة، أعاد أبو شادي إبعاد نفسه عن حركة هو مؤسسها بترشيح خصم آخر فرشح خليل مطران مستنداً بذلك إلى الاعتراف بالآخر، وتمنى المحاضر أن يتعلم كل المفكرين من هذه المواقف، لأنه لا يجوز إلغاء الآخر أو النقيض، لأنه مستشار مجاني لك عندما ينتقدك ويسلط الضوء على أخطائك.

قد يعجبك ايضا