يُكثّف (مراحل) التجربة في صالة تجليات

الفنان أكثم عبد الحميد: الهوية أهم صفة يصل إليها الفنان في عمله التشكيلي

حوار: علي الرّاعي

أكثر من ملمح جمالي وفكري وبحثي؛ أعطى لتجربة الفنان التشكيلي النحات أكثم عبد الحميد خصوصيتها، وهو بهذه الملامح منح نفسه أسلوباً جمالياً، بحيث أصبح المتلقي يُميز العمل النحتي لأكثم عبد الحميد من مسافة، سواء كان العمل النحتي منحوتة صغيرة، أو اتسع ليكون عملاً نصبياً، وما بينهما من حجوم متوسطة ومختلفة..
من هذه الملامح مثلاً الفراغات في العمل النحتي، وهو بهذا الجانب الجمالي؛ يرى إنه بقدر ما احتوت الكتلة على فراغات وتحويرات مدروسة بصدق وعمق، بقدر ما اكتسبت أهمية وظهرت جماليتها من حيث الصياغة والملمس.
وهناك حالة الخطوط الحانية في النحت، التي يراها عبد الحميد الأساس في التشكيل، لأن الخط المنحني موجود في طبيعتنا “السورية” وفي فكرنا وطبائعنا، وهو خطٌّ عاطفي، وذلك في مُقاربة ما، مع الجبال والطبيعة في بلادنا التي نجدها خطوطاً منحنية، بينما – على العكس من ذلك – الطبيعة في أمريكا حيث الجبال والصخور بخطوطها الحادة.. ومن هنا تشكلت عنده على سبيل المثال (المرأة الشجرة) التي لتموجات جسمها انحناءات أقرب الى أغصان الشجر.. ومن ثم كان هذا الهاجس لديه لتشكيل أعمال نحتية طالعة من عمق الأرض بتراثها ورموزها الأسطورية، وأفقياً بما يُقارب طبيعتها، وذلك لأجل فن مُعاصر ليس منقطعاً عن هويته، لاسيما أن النقل يكون بشكلٍ غير مباشر من التراث والتاريخ، وإنما بما يُشبه البناء عليه..
والمتأمل لأعمال الفنان أكثم عبد الحميد؛ لابدّ سيخطر في ذهنه أكثر من سؤال بعد قراءة تلك الأعمال، من هذه الأسئلة:
المرجعيات
* في التفاصيل سيقرأ المُشاهد أو المُتأمل؛ أكثر من مرجعية حضارية، ورغم كثرة المرجعيات وغناها، يستطيع هذا المُشاهد أن يُشير ببنانه إلى عملك، ومن مسافة، ويقول بثقة: هذا النحت لأكثم عبد الحميد.. كيف استطعت مزج هذه المرجعيات لتُشكل خصوصية تميز أعمالك بعلاماتها الفارقة؟
من الطبيعي وكوني سورياً؛ فأنا منتمٍ حُكماً إلى عدة حضارات، تعاقبت على هذه الأرض، وكان لكلّ حضارة فلسفتها الجمالية الخاصة بها.. وأغلب النتاجات الفنية لهذه الحضارات؛ اطلعت عليها، وتعرفت من خلالها على قوة النحت السوري القديم، وهو الأمر الذي أعطاني اعتزازاً بحضارتي، وثقة كبيرة؛ بأنه كانت لنا مشاركة في بناء الحضارات الإنسانية.. هذا الإطلاع المكثف؛ أغنى عندي قوة التشكيل، وأعطى غنى لمفرداته وخصوصية عبر التجربة الطويلة، لاسيما الخصوصية في معالجة الجسد الأنثوي، تحديداً وفي طريقة معالجة الوجه والعين، وفي الانسيابية والخطوط المنحنية لتشكيل الجسد الأنثوي..
* برأيك لماذا على الفنان، إن يُشير بمرجعية ما لعمله الإبداعي، هل هي ضرورة هوية مثلاً؟
الهوية؛ أهم صفة يصل إليها الفنان في عمله التشكيلي، والهوية لا تأتي إلا من البيئة الثقافية والجغرافية.. الهوية هي روح ثقافة المنطقة، والفنان الأصيل؛ هو من يحمل هذه الروح، ويحوّلها إلى ثقافة فنية، ومفردات تشكيلية يُحاور بها ثقافات أخرى عن طريق نشر ثقافة بلده من خلال أعماله الفنية.. لأن الفنان باللاشعور يحمل ثقافة بلدة إينما وجد..
وهنا من الطبيعي؛ أن ألجأ إلى حضارتنا ، وأعني بلاد الشام قبل (سايس بيكو) الذي جزّأ بها سورية الطبيعية، وجزأ بها التاريخ والهوية الثقافية، وأصبح كل بلد مُجزأ يرى أبناؤه الهوية الثقافية للبلد من منظور مُصغّر.. بالنسبة لي كانت قراءتي للتاريخ وللهوية الثقافية كاملة للمنطقة، ولم أراها يوماً على أنها مُجزأة، وأنا افتخر بهذا التراث الفني الضخم الذي خلفته لنا تلك الحضارات الرائعة والغنية بمفرداتها..
سر الملحمية
* هل لأجل هذا نرى في العمل النحتي لأكثم عبد الحميد مسحة (الملحمية)، وهنا أسألك لماذا كانت الملحمية سمة لأعمالك النحتية؟
هنا أتذكر عملك النحتي المسمى “جدار إنساني” سنة 1988 لأسألك هل العمل النحتي يتحمل كل هذه الحمولات من عناصر الملحمية؟

نعم.. أغلب أعمالي شبه ملحميّة الشكل، لأنني أؤمن بدورة حياة واحدة ثقافية واجتماعية وسياسية ودينية.. مجموعة هذه العناصر التي ذكرتها؛ تُمثل الحياة، فأنا أحاول أن أصيغ هذه (الحياة) فنيّاً بعملٍ موحد، وهنا أعطي فكرة شاملة عن إنسان هذه المنطقة، لذلك ترى في العمل الواحد من أعمالي الإنسان والحيوان والرموز الحياتية والحضارية المُختلفة..
وعلى سيرة العمل الذي ذكرته؛ فقد كان عمل (جدار إنساني)، وهو عمل غني بمفرداته التشكيلية، وبتعدد الوجوه، فكل وجه؛ كان يحمل فكرة واحدة من خلال فكرة قوة المناعة الإنسانية ضد الظلم، وأحياناً قوة التشكيل، وتعدد عناصره، يفرض حضوره بقوة حيز المكان..
* لو سألتك ماذا تأخذ من هذا التراث السوري، أو كيف يظهر في عملك النحتي؟
أريد أن أوضّح؛ أنني لا أستعين بالتراث لأشكّل عناصري ومفرداتي النحتية.. كل ما في الأمر أنني اطلعت على التراث بكلّ الحضارات السورية التي تعاقبت، وتمتعت بكلّ مفرداتها، ومن ثمّ اتجهت إلى مطبخ ذاكرتي؛ لأصيغ مفرداتي الفنية برؤية أكثم عبد الحميد، وليس برؤية التراث؛ لأن الأخذ من التراث؛ هو عملية نسخ له، وليس عملية إبداع متجددة بشكلٍ دائم..
ثيران في سهوب النحت
* على سيرة سورية العتيقة؛ قلما نجد نحاتاً سورياً، لم يكن من ملمح نحتي – أسطوري يتكرر في أعماله، منها على سبيل المثال (الثور)، ما حكاية الثيران التي (تخور) في أعمال النحاتين السوريين؟
عنصر الثور؛ موجود بأغلب الحضارات، وهو يُمثّل الخصوبة والقوة والمتانة.. نحن الآن بحاجة إلى مثل هذه الخصوبة بالفكر والثقافة والاقتصاد، وبالعلم والدين أيضاً.. نحن اليوم بحاجة أكثر إلى التجدد، ربما لأجل هذه الغاية، كان النحت على موضوعة الثور، وتختلف (ثيراني) عن ثيران زملائي من النحاتين بقوة الاختزال والبساطة، وقوة الحضور رغم غياب الكثير من التفاصيل في الثور..
* نحت (العائلة)، قديمٌ في المشهد البصري السوري، ففي التاريخ النحتي لتدمر ثمة أعمال كانت تصوّر أسرة بكامل أفرادها، وكأن هناك مصوراً فوتوغرافياً يأخذ لقطة بعدسته لتلك العائلة، وقد عملت في السابق على ما يُشبه (نحت الأسرة).. لكن مؤخراً ظهر نحت العائلة بوضوح، وعلى مختلف الخامات، وهي حالة طالما درجت عليها عادات السوريين (أخذ اللقطة التذكارية) لأفراد العائلة لتكون أولى ألبومات الصور.. وحقيقة تذكرنا منحوتات العائلة اليوم بألبوم الصور.. لماذا كانت العائلة؟
نعم فكرة العائلة موجودة في حضاراتنا بشكلٍ قوي، وخاصة في الحضارة التدمرية، فقد كان النحات في تلك الفترة الحضارية؛ فعلاً أشبه بمصور الفوتوغراف، يأخذ صورة فوتوغرافية للعائلة كأنها صورة ألبوم، ومن جهتي ركزت على حضور العائلة في أعمالي من باب إعطاء صورة عن العائلة السورية المستهدفة التي تجزأت وتغربت وغادرت جغرافيتها وحتى تاريخها قسراً نتيجة الحرب على سورية كدولة وحضارة قديمة، ولأنهم استهدفوا العائلة منذ البداية، وذلك لضرب نسيج المجتمع من خلال ضرب العائلة ، وتهجيرها، وكان أن كرستّها في أعلب أعمالي وخاصةً في الملتقيات النحت العالمية .. وقد جسدتّها كعمارة، أو التذكير بثباتها كبنية معمارية..
* طالما رجعنا إلى البعيد؛ دعنا نعود للبعيد القريب، إلى (الضيعة)، وبدايات التفتح البصري، كيف يتذكر أكثم عبد الحميد تلك المشاهد؟
البدايات؛ دائماً هي الاساس في تشكيل الإنسان، وخاصة من يعمل في المجال الإبداعي بما فيه من صور بصرية قديمة، كالبحر وموجاته، والضيعة وجبالها، وكان لكل تلك الصور الأثر الكبير في رسم وتكوين مفرداتي الفنية، والتي كثيراً ما ساعدتني لتكون جزءاً كبيراً من التشكيل العام عندي، وفي مجمل العمارة النحتية لدي..
وجوه دائماً
* تجد الخامة أمامك، وأنت تذكر إن النحت هو فن الخامات- والسؤال هل الخامة هي من تحرضك لإطلاق محتواها الإبداعي الكامن داخلها، أم أنت من يُحوّرها لتطلق مخزوناً إبداعياً أنت تريده؟
نعم؛ النحت هو فن الخامات، وفن المجسمات أحياناً كثيرة، ودائماً كان جسد الخامة؛ هو من يُثير لدي رغبة إخراج المحتوى الإبداعي الكامن في الخامة، وفي أحيان كثيرة أيضاً، تكون الأفكار مُخزنة قي ذاكرتي، ولا أمل أبحث لتجسيدها وتشخيصها من خلال خامات قادرة على إمكانية تشكيلها وتكوينها، وفي هذا المجال اعتبر هذه المرحلة؛ أصعب المراحل، تلك التي تتضمن عملية توافق الفكرة مع جسد المادة الخام، وفي هذا المعرض ركزّت على الوجوه الإنسانية، وذلك لأنني أخاطب بها العقل الإنساني قبل الجسد.. ولأعبّر عن الحالة الحزينة التي أوصلت الإنسان السوري إلى هذا الحال.. فقد شكلت الوجوه بالاحتمالات كافة، لغاية إخراج الوجه من الشكل المألوف والمتداول لإضفاء فكرة التجدد والاحتمالات الممكنة.. كما نوعت شكلياً بين الوجوه، منها ما يأخذ حالة التسطيح المربع، أو وقد يتجه صوب التدوير، وقليلاً صوب الوجه الواقعي، والأكثر كان ذلك الوجه الذي ميز شغل أكثم عبد الحميد، ذلك الوجه النازل إلى ذقنٍ حادة.

* هناك الوجه الذي يأخذ كامل العمل النحتي، والعمل النحتي – الوجه الذي يُقارب النحت النصبي، وهنا أسألك عن اعتمادك العين المثلثة- كما تذكر مرة – ماذا تقصد بالعين المثلثة؟
فن البورتريه فن قائم بذاته؛ أحياناً يكون الموضوع الرئيسي، هو الوجه، أي البورتريه بحجوم كبيرة جداً، أو صغيرة حسب المتوفر من الخامات، وحسب قدرة الفنان على التعامل مع الحجوم الكبيرة، وهنا أشير إلى مسألة الفراغ في العمل النحتي، فالظل في مفهوم النحت يختلف عن التصوير.. في النحت الظل والنور، هما الكتلة والفراغ، لذالك أحدثت الفراغ في العيون؛ لرفع الحالة التعبيرية في الوجه، ولأعطى الوجه قوة بالتعبير، وهذا الأمر نراه في أغلب المنحوتات الأثرية، وهي ليست من فعل الفنان، وإنما بفعل السارق الذي سرق الأحجار الكريمة من عيون التماثيل، فأحدث هذا الفراغ الذي نراه في عيون تماثيل الحضارات القديمة، موضع العين المثلثة هو هوية من مفرداتي النحتية، وتخصني، ولذلك تراها في أغلب أعمالي النحتية، حيث تضفي على الوجه قوة تعبيرية زائدة..
* ما يلفت الانتباه في التجسيد النسوي (المرأة – الشجرة)، سواء بحركة الجذع، أو الأغصان – الذراعين، والكثير من الليونة والانحناءات.. دعنا نتحدث عن (المرأة – الشجرة) في شغل أكثم عبد الحميد؟
المرأة؛ هي دائماً الجسد الرئيسي في تشكيلاتي النحتية، وعبر هذا الجسد، أبحر لغاية إظهار المضمون، ولأعبر عن رأي في مفردات الحياة، ولذلك قلما ترى عنصر الرجل في أعمالي الفنية، لأنني ببساطة أنا الرجل الوحيد بين منحوتاتي النساء، ومن ثمّ يأتي تشكيل المرأة عندي لكونه يدخل في إطار التعبير عن الخصوبة والولادة والحب والعاطفة وكل المعاني الإنسانية المتوفرة في النساء..

تصوير: طارق الحسنية

قد يعجبك ايضا