حلب.. قصة إرادة

أمجد عيسى

يجزم كل من يزور الصين بأنه في كل زيارة جديدة يشاهد تطوراً في أمر ما، إن كان على هذا الصعيد أو ذاك، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على نقطتين أساسيتين، أولاهما هي أن الدولة لديها المقومات والأسس الكفيلة بتحقيق هذه الحالة التطويرية المستمرة، وأهمها توفر رأس المال، وثانيتهما وجود إدارات مؤهلة ومسلحة بإرادة راسخة للعمل لمصلحة بلدها وخلق صورة مختلفة عن البلدان الأخرى.

في الأسبوع الماضي أتيحت لي زيارة مدينة حلب للمرة الأولى منذ العام ٢٠١٠، وأعتقد أنه من الطبيعي في هذه الحالة أن يشعر المرء بالأسى والحزن والإحباط لدى مقارنة الصور الجميلة الموجودة في ذاكرته مع الواقع الحالي، خاصة إذا كانت صور الذاكرة تلك معززة بأرقام وإحصاءات تبين مساهمة حلب وأهلها في الاقتصاد السوري وفي حالة الازدهار والنمو المتصاعدة التي كانت تعيشها بلدنا قبل الحرب.

وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها سورية وأبناؤها نتيجة آثار الحرب الإرهابية من جهة، والإجراءات القسرية أحادية الجانب اللامشروعة المفروضة على السوريين من جهة ثانية، فإن زائر حلب يعتريه شعور آخر حالما ينزل إلى الشارع ويلمس إرادة أهلها وإصرارهم على إعادتها كما كانت قبل الحرب، وتبدأ حالة الإحباط تلك بالتلاشي تدريجياً ليحل محلها اليقين بإمكانية تحقيق ما نأمل جميعاً بعودة حلب، العاصمة الاقتصادية لسورية كما توصف دائماً، إلى ألقها وازدهارها.

يعلم أبناء حلب تماماً التحديات الكثيرة التي تواجه تحقيق هذا الأمل، وعلى رأسها تراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف القوة الشرائية، ونقص الوقود وما ينتج عنه من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، بالإضافة إلى العقوبات الغربية واستمرار الاحتلال الأميركي بحرمان الشعب السوري من ثرواته الوطنية في شمال شرق سورية، الزراعية كانت أم النفطية، إضافة إلى ذلك مواصلة النظام التركي الإرهابي احتلال أجزاء من الأرض السورية في محيط حلب ودعم احتلال تنظيماته الإرهابية مناطق واسعة من محافظة إدلب.

كل ذلك لم يقتل عزيمة وإرادة أهل حلب حتى قبل التحرير، عندما اضطرهم إجرام الإرهابيين إلى مغادرة مدينتهم وورشاتهم ومعاملهم لينتشروا في عدد من المحافظات السورية ويفتتح معظمهم أعماله الخاصة ويساهم في استمرار الحياة فيها مع أبناء تلك المحافظات؛ إضافة إلى انتشار صناعيي حلب في عدد من دول المنطقة ليساهموا في ازدهار صناعتها واقتصاداتها كما حدث ويحدث في مصر وتركيا على سبيل المثال (حسب إحصاءات رسمية تركية نشرت عام ٢٠١٥ فتح السوريون عشرة آلاف شركة في تركيا بينما لا توجد إحصاءات رسمية منشورة في مصر على الرغم من أن رجال أعمال سوريين يجمعون أن هناك مناطق صناعية سورية أقيمت في مدن مصرية مختلفة).

بالتوازي مع إرادة أبناء حلب لإعادة الألق إلى مدينتهم تبذل الدولة السورية، وفق إمكاناتها الحالية، جهوداً كبيرة لتذليل العقبات التي تقف في وجه ذلك، وخير دليل على ذلك العمل الدؤوب لتأمين البنى التحتية وتقديم التسهيلات المتاحة للصناعيين والتجار وتوفير ما أمكنها من الناحية الخدمية، وذلك ما جاء على لسان معظم من التقيتهم، على الرغم من أنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى الكثير من المعوقات التي يقع على عاتق الحكومة العمل باستمرار لتذليلها أهمها مواصلة العمل لتأمين الطاقة وتحديث القوانين وتقديم التسهيلات المصرفية والاستمرار بالعمل لتأهيل البنى التحتية وغيرها من الإجراءات الكفيلة بتعزيز إرادة أهالي حلب في تحقيق ما يطمحون إليه لمدينتهم خاصة ولبلدهم على العموم.

المفارقة فيما رأيت في حلب هي في اختلاف طريقة عمل بعض أبناء المدينة من العاملين في القطاع العام عن نظرائهم ممن يعملون في القطاع الخاص -إذا استثنينا بعض المؤسسات الحكومية الخدمية التي تبذل جهوداً كبيرة في عملها- ومع الفهم لفرق الرواتب بين الجهتين، يمكن القول إن هناك عقلية مختلفة تماماً في مؤسسات القطاع العام تحكم عمل موظفيه وقد يكون بشكل أكبر إداراته، وهذا يمكن تعميمه على أغلبية موظفي القطاع العام في سورية، الأمر الذي يمكن ملاحظته فور الدخول إلى أبنية تلك المؤسسات من حالة ترهل ولا مبالاة جعلت من معظم هذه المباني في حالة يرثى لها على أقل تقدير، والحديث هنا لا يتطلب أكثر من الحد الأدنى من الالتزام بالنظافة والحفاظ على مقدرات هذه المؤسسات، الأمر الذي لا يمكن رؤيته في مباني القطاع الخاص، بالرغم من أنها جميعاً عانت آثار الحرب نفسها، وهذا بدوره بحاجة لعمل مضن من الحكومة، وخاصة وزارة التنمية الإدارية، لتغيير هذه العقلية.

قطعاً لا يمكن مقارنة شعور زوار دولة مثل الصين بما يمكن أن يشعر به زائر حلب، لكن إذا ما وضعنا في الحسبان المقومات الاقتصادية لكلتيهما، يمكن القول إن حلب تسير في الاتجاه الصحيح وهي تشهد حالة مستمرة من التحسن على طريق استعادة ألقها كحامل أساسي لاقتصاد البلاد.

قد يعجبك ايضا