«يحرق حريشك»

بديع صنيج

«يحرق حريشك» كلما ذهبت إلى السوق، في أول الشهر أو منتصفه أو نهايته، وتفاجأت بأن مشترياتك تتضاءل في الكم والنوع، أو أنك لا تعلم أنه بات هناك بورصة لكل شيء من حليب الأطفال إلى جرزة البقدونس وليس انتهاءً بالمنظفات والدخان والأدوية؟!
«يحرق حريشك» في كل مرة ينتابك الإحساس بأن المدارس تقدم كل شيء إلا التعليم، بربك كيف السبيل إلى العلم الحق والمعلم بائس مادياً ومعنوياً، والكل ضده، والصف فيه أكثر من أربعين طالباً معظمهم غير مهتم؟
«يحرق حريشك» في الوقت الذي تشعر فيه بأن شهادتك الجامعية صارت في معادلات الأجور أبخس من أي بياع بسطة، ولو كان يبيع بصلاً أو بندورة بلاستيكية أو مجرد علب محارم.
«يحرق حريشك» كلما ظننت بأن أحداً من التجار يملك قلباً رقيقاً رهيفاً، وأنه لا يتحيَّن أي فرصة للانقضاض عليك وافتراسك مع كل ما تملكه في جيبك حتى لو كان مُهترئاً أو مليئاً بالثقوب.
«يحرق حريشك» وأنت ما زلت تعتقد بالتكافل الاجتماعي، والتعاضد الإنساني، وأن الدنيا بخير، جرِّب فقط أن تستدين من أخيك أو صديقك مبلغاً من المال، ثم تتبَّع مسلسل يُتْمِكَ وعُزلتِكَ على مهل.
«يحرق حريشك» في كل مرّة تظن فيها أن مطبات الطريق ستتناقص، وينخفض مستوى ارتفاعها، وأن الحفر ستُردم، وعواميد الإنارة ستُضاء، والحوادث ستقلّ، وأن المواصلات العامة لن تشبه بعد الآن «قطارميز» المخلل، وأنك لن تكون مجرد قطعة «كبيسٍ» مرة أخرى.
«يحرق حريشك» وأنت تتعامل مع يومياتك بذهنية الأمس، ولا تُصلِّي على الحاضر، وتترك تفاصيلك على هواها، بحيث تتراكم مشاكلك وتستعصي على الحل، فقط لأنك لست ابن اليوم الآثم بخطاياه المديدة.
«يحرق حريشك» وأنت تقرأ الآن وتظن أن باستطاعتي أن أضيف شيئاً على ما كُتِبَ سابقاً، أو أن أُحلِّي مذاق فجائعنا المستمرة، أو أزركش تراجيدياتنا ببعض الكلمات.

قد يعجبك ايضا