أشجار الروح المحروقة..!

جواد ديوب

بما أنه كتبنا عشرات المرات وما من أحدٍ من الوزارات المعنية «إلتكَشَ» أو «حسّ على دمّو» وأصدر قوانين جديدة صارمة أو اتّخذَ عقوباتٍ رادعة ضد مافيات العقارات الذين يحرقون ويقطعون حتى أشجار أراضيهم ذاتها ليحوّلوها إلى مليارات يُعادُ تدويرها أيضاً كمزيدٍ من العقارات التي تأكلُ الأخضر واليابس وتحوّل أرواحنا إلى أشجار محروقة! رافعين شعار«لتنفلق غوطة دمشق عن بكرة أبيها شرقيةَ وغربيةَ وجنوبيةً»! ولأن الحِكم والأمثال الشعبية مثل «إنّ الأشجار رئات المدن وفسحة الروح المحزونة» صارتْ نكتة «بايخة» أو مقولة للهزء والسخرية في عقولِ الكثيرين.
وبما أنه لم يعد أحدٌ يكترثُ بالشجر الحقيقي إنْ كان زيتوناً مقدّساً أو سندياناً معمّراً أو ليموناً عِطريّاً أو حتى شجراً بلاستيكياً إلى إنْ أصبحَ فحماً لـ«أراكيل السلطنة» ثم ذكرى للندب والتشكّي والبكائيات على زمنٍ جميلٍ مضى كعادتنا في هذه البلاد اليتيمة … سأحكي لكم عن «شجرة كتبي السحريّة»، إذ دخلتُ مرّة إلى إحدى المكتبات ونظرت إلى الناس الموجودين فشاهدتُ فوق كتفِ إحداهن وقرب وجهها فراشاتٍ ملونةٍ تحومُ مثل «يراعاتٍ» في حقول الضوء، واصطدمَ بي شابٌ مُسرعٌ تحوَّل شَعرُهُ إلى «كبكوبة» أشرطةِ تسجيلٍ مغناطيسية قديمة تتدلى منها «سيديّاتٌ» ملوّنة بقوس قزح، و«فلاشاتٌ» ليزريّة مزركشة، فيما جلسَ عجوزان يتحدثان وفوق رأس كل منهما مئذنةٌ صغيرة تتلألأُ بأنوار خضراء، وعند صندوق البيع وقفت سيدتان تبتسمان لبعضهما ابتساماتِ ودٍّ كأنهما صديقتا عمر طويل؛ لكنْ خرجتْ من رأس إحداهما أفاعٍ كأفاعي «ميدوزا» في الأسطورة، فيما كان مصارعُ ثيرانٍ بكامل أناقته وزيّه الأحمر المخمليّ يقف فوق رأس الثانية متأهّباً ممسكاً بيده سيفَ الطعنِ القاتل.
فجأة، أيقظتني من أحلام يقظتي طفلةٌ تقول لوالدها مشيرةً نحوي بدهشةٍ فرِحة: «بابا، بابا.. ليك عمّو طالعتلو شجرة كتب فوق راسو بتشبه شجرة عيد الميلاد!»، فيما اختبأ طيفُ جدتي خلفَ أحد الرفوف وهي تختلس نظرةً ضاحكةً نحوي كأنها تذكّرني: «ألم أقل لك بأنك ستفقدُ عقلك من كثرة القراءة؟!».

قد يعجبك ايضا