ثقافة بلديات ..!

بديع صنيج

تخيَّل وأنت في غمرة تدريسك لآداب المسرح ونظرياته، أن يقفز في وجهك موظف جباية البلدية ويطالبك بأوراق ترخيص مدرستك المسرحية، لأنها غير مدرجة على لوائحه المالية، أو أن تكون مع طلابك في شرح مطوَّل عن الشخصية ومزاياها، دوافعها الداخلية وسلوكياتها وأساليب أدائها، فـ«ينطّ» الموظَّف ذاته، مُطالباً إياك بأن تُبرِز له وثائق تُثبت انتسابك لنقابة الفنون، بعدما أخبرته في المرة السابقة أن ترخيص مدرستك الفنية ليس من اختصاصه. أو تخيَّل وأنت تُحفِّز طُلَّاب التمثيل عبر تمارين الخيال والتركيز، أن يُخلْخِلَ ذاك الموظف صفَّك بأكمله، لمجرد أنه ما زال يبحث عن ثغرة يجعلك من خلالها تحت سيطرته، ونفوذه في الجباية، كأن تُنسِّب مدرستك إلى بلديته المصون كمعهد دراسي، مثله مثل المعاهد التي تُقدِّم خدماتها في تدريس مناهج الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغات الإنكليزية والفرنسية وخلافه، وما إن تقنعه بأن مدرستك المسرحية ليست معهداً بالمعنى المتعارف عليه، ولا تنطبق عليها أي من توصيفات البلدية، كما أنها ليست ربحية وتفتح عروضها للجمهور بالمجان، حتى يزورك بعد يومين أو ثلاثة وفي جعبته الكثير من التهديدات، ليس آخرها إغلاق «مدرسة الفن المسرحي»، فتحاول كونك خارجاً للتو من درس الليونة، أن تكون ليِّناً ومرناً قدر المستطاع، فتتشارك معه فنجان قهوة، وتبدأ بإخباره أن على البلدية بدل التلويح بعصا الإغلاق، أن تدعم هذه المدرسة، خاصة أن مسؤوليات هذه الوحدة الإدارية لا تتوقف على تنظيف الشوارع التي لا تتم على الوجه الأمثل، أو لا تتم إطلاقاً في بعض أحياء جرمانا، وهي ليست مجرد جهة جباية لمخالفات البناء، ومُصدِّقة على تراخيصها، كما أن واجباتها لا تقف على هندسة الشوارع والاهتمام بالحدائق والإنارة الطرقية والبنى التحتية عموماً، بل يقع على عاتقها مهمة ثقافية غاية في الأهمية، وللأسف لا يتم إيلاؤها أي رعاية حقيقية. هنا يشفّ الموظف آخر شفة من فنجانه واعداً بدراسة هذه الأفكار التي لم يستوعبها رأسه.

قد يعجبك ايضا