الألبسة والأحذية تلتحق بباب الكماليات

فراس القاضي

مع متوسط أسعار (بنطال) 20 ألف ليرة، وحذاء 25 ألفاً، و(جاكيت) 60 ألفاً، ربما صار علينا أن ننسى مفهوم التسوق القديم، وصار علينا معاملة ملابسنا وأحذيتنا – حتى ولو كانت شوارعنا ووسائل نقلنا لا تسمح بمثل معاملة كهذه – معاملة جديدة، فيها من اللطف أكثر مما بين العشاق، خاصة بعد أن صارت مقولة (حتى أنت يا بروتس) تنطبق على (البالة) التي قسا قلبها على الفقراء وغدرت بهم بأسعارها الجديدة، وبالطبع، وكما في كل القضايا والاحتياجات الاقتصادية، هناك حاضر غائب دوماً: الدخل الشهري للمواطن، وما يفرضه هذا الغياب عليه وعلى الأسواق عامة.
10% من السوريين لم يشتروا
أكثر من 150 شخصاً من مختلف الفئات والمحافظات شاركوا في استطلاع الرأي الذي أجرته (تشرين) على موقع (فيس بوك)، وطرحت فيه – بعد جولة على عدة أسواق – أسئلتها عن شراء الألبسة وأسعارها وأسواقها، وكانت نتيجته أن 26% من المستطلعة آراؤهم لم يشتروا ولو قطعة ملابس واحدة خلال الموسم الشتوي الحالي واكتفوا باستخدام ملابسهم القديمة، و12% ممن اشتروا فلأولادهم فقط، وكان لافتاً أيضاً أن غالبية المشترين من المحلات العادية وحتى وكالات الماركات، تحدثوا عن سوء التصنيع رغم ارتفاع سعر المنتج المشترى، وسرعة اهتلاك القطعة المشتراة بمختلف أنواعها. بينما كان لـ (البالة) نسبة 13% من المشترين فقط، وهي نسبة شراء تعتبر قليلة جداً بناء على معطيات أسواق الملابس الجديدة وأسعارها، ليتبين أن السبب هو تضاعف أسعار الملابس المستعملة أيضاً، ما جعل المشتري أمام المفاضلة التالية: لمَ سأدفع مبلغاً كبيراً مقابل ألبسة مستعملة، وبإمكاني شراء الجديد بالسعر ذاته أو أكثر منه قليلاً؟ لكن المفاضلة السابقة لم يفكر بها من كان يبحث عن الجودة التي يظن أنه سيجدها في الأوروبي المستعمل، ولا بد من الإشارة إلى أن ملاحقة الجودة هدفها بحسب المشترين إمكانية استخدامها لسنوات.
أما نسبة الـ 10% التي ذكرناها، فهي نتاج العينة التي أجابت عن الاستطلاع، والتي لم تصل إلى العينة التمثيلية الحقيقية قياساً بعدد السكان.
مرارة وسخرية
ما إن نُشر الاستطلاع، حتى انهالت عشرات التعليقات عن الأسعار وعدم ملاءمتها للأوضاع المعيشية والدخل الشهري..
قال الصيدلاني أنس مسعود: (بدنا قرض “إكساء ” لنشتري تياب شتوية)، بينما شكر قصي وروار (موظف في البنك اللبناني الفرنسي) ربه لأنه ليس المتكفل بملابس العمل قائلاً: (الحمدلله انو لباسي عالشغل ومتكفل فيه البنك لولا هيك ما بداوم)، أما الصحفية ليليان معروف فركزت في تعليقها على الملاحظة التي أوردناها في نهاية الاستطلاع، والتي تفيد بأن من يخجل من الإجابة على العام بإمكانه استعمال الخاص، فقالت: (من شو بدنا نخجل إذا راتب الموظف بجيب غرضين.. مو نحنا يلي مننحرج، غيرنا لازم ينحرج.. النصابين يلي عم يبيعوا بضاعة مخزنة بهيك أسعار).
ماركات.. يعني نصباً
طارق كريم (دكتوراه إدارة الأعمال) قال: إن خبرته في العمل سابقاً في مجال الألبسة تسمح له بالتأكيد بأن يعرف أن أكبر عمليات الاستغلال تجري في معظم وكالات الماركات، حيث إن سعر التكلفة للمنتج النهائي قبل عرضه للبيع لا يصل إلى 25% من السعر الذي يوضع على القطعة، أما اللعبة الأساسية لهذه الوكالات ولكثير غيرها، فهي فترة التنزيلات التي يزيد فيها سعر القطعة بدلاً من أن ينخفض، مستغرباً من عدم التسعير بشكل معتدل خلال كامل الموسم، الأمر الذي سيسمح للناس بالشراء طوال الموسم ومن دون انتظار فترة معينة.
ما الذي يجري؟
منذ أشهر، (بشّر) رئيس القطاع النسيجي وعضو مجلس الإدارة في غرفة صناعة دمشق وريفها مهند دعدوش في لقاء إذاعي بأن أسعار الملابس الشتوية ستزيد ثلاثة أضعاف على العام الماضي، وذلك نتيجة ارتفاع جميع العوامل التي تدخل في صناعتها وتكلفتها، سواء سعر المازوت الصناعي، والضرائب واليد العاملة، وبالفعل، كان كلامه دقيقاً والارتفاع وصل إلى ثلاثة أضعاف وأربعة أحياناً.
(س.ي) صاحب محل في منطقة (الشعلان)، يعترف أنه يزيد هامش ربح كبير على بضاعته المرتفعة السعر أساساً، لأنه يدفع مليون ليرة في الشهر قيمة إيجار محله، ولديه ثلاثة عاملين، راتب كل واحد منهم 90 ألف ليرة، إضافة إلى ما يدفعه من ضرائب ، هذا غير فواتير الكهرباء والمياه والانترنت المرتفعة، لذا فإن إضافة هامش ربح بسيط لن تفي بالغرض، وستؤدي إلى إغلاق محله حكماً، وبرأيه، فإن ما يجنيه اليوم لا يعد مرابح أبداً، وإنما مبالغ تحافظ قدر الإمكان على باب رزقه من الضياع.
سر الوكالات..

اللامنطق في أسعار وكالات الماركات في منطقة (الشعلان) وبعض (المولات)، دفع (تشرين) إلى زيارة عدد منها، والاستفسار عن إصرارها على أسعار كهذه، وعن كمية الزبائن التي تستطيع الشراء قبل “التنزيلات”، فأسرّ لنا محاسب إحداها، بأن السر يكمن في حديثي النعمة ممن اغتنوا على حساب المواطن خلال الأزمة الذين يشترون من دون النظر إلى الأسعار، وأحياناً تصل مشتريات الواحد منهم إلى أكثر من مليون ليرة، موضحاً أن عشرة من هؤلاء فقط، يكفون الوكالة لاسترجاع رأسمالها، بل وتحقيق مرابح جيدة، ومن ثم تأتي “التنزيلات” لتزيد الأرباح أيضاً رغم الارتفاع الكبير في الإيجارات ومستلزمات التصنيع، وأردف مع بسمة لم يستطع إخفاءها: نحن نحب هؤلاء الزبائن ليس لأنهم يشترون بمبالغ كبيرة فقط، بل لأنهم غالباً يشترون القطع التي لا تلفت نظر أحد.
أين حلب؟
خلال عامي 2018 و 2019، انخفضت أسعار الألبسة بشكل واضح، وصار بالإمكان الحصول على قطعة ملابس بجودة نستطيع وصفها بالجيدة بمبلغ غير كبير، وحينها، أرجع الكثير من أصحاب المحلات السبب إلى عودة معامل وورش محافظة حلب إلى العمل، فما الذي حدث الآن؟
محمد زيزان رئيس لجنة صناعة الألبسة في غرفة صناعة حلب أرجع الارتفاع الكبير في الأسعار لعدة أسباب، في مقدمتها سعر الصرف, على اعتبار أن أقل من 40% من القماش الداخل في تصنيع الألبسة يُنتج محلياً، والباقي مستورد، وحتى المنتج المحلي تضاعفت أسعاره بعد رفع أسعار الغزول الموردة إلى المصنعين ثلاث مرات، الأولى 30% والثانية والثالثة 50%، ، إضافة إلى رفع سعر الفيول الأساسي في صناعة كل تفاصيل الألبسة وإكسسواراتها مرتين خلال العام الحالي.
وفيما يخص (الجينز) تحديداً، أكد زيزان يوجد حالياً معمل واحد، وهو لا ينافس المستورد من ناحية الجودة، بينما سابقاً كان لدينا أربعة معامل تكفي حاجة القطر وتصدّر إلى الخارج، وحالياً المعامل ذاتها انتقلت إلى دول أخرى.
70% تصدير
وفيما يخص منتجات محافظة حلب من الألبسة المعروفة بالجودة والأسعار المناسبة، قال زيزان: إن نوعية القماش تفرض سعر المنتج، كما أن مكملات الألبسة ارتفعت أسعارها بشكل كبير أيضاً، لكن ومع هذا، لا تزال حلب تنتج (بنطلوناً) بحوالي 8 آلاف ليرة ، ويرتفع السعر الضعف بحسب النوعية والجودة ، وحالياً حوالي 70% من إنتاج حلب يصدّر، وأشار: سيقام في مدينة المعارض بدمشق معرض للألبسة ينتظر المصنعون الموافقات لإقامته، دُعي إليه 700 زائر من خارج سورية سيتكفل المعرض بثمن بطاقات سفرهم مع إقامتهم لمدة ثلاثة أيام كفرصة للتسويق
وختم زيزان بالمطالبة بتوريد الغزول للصناعيين بكميات كافية، إذ إن الصناعيين لم يتسلموا أي كميات منذ ثلاثة أشهر، لذا يضطرون للاستيراد.
حتى أنتِ يا.. (بالة)؟!
من يزور أسواق الألبسة المستعملة (البالة) سيلاحظ فوراً أنها ما عادت تغص بالزبائن ذاتهم، ومن كان يرفض الشراء منها في الأمس، أصبح اليوم مضطراً لزيارتها وتقليب قطعها في المحلات وعلى (البسطات) أيضاً ومن دون خجل من أن يراه أحد، فالأسعار فيها صارت تقارب وأحياناً تزيد على أسعار المحلات العادية.
“ر.ع” صاحبة محل ألبسة مستعملة، تقول: إن التجار الذين يوردون الألبسة المستعملة رفعوا أسعارها بما يقارب أربعة أضعاف بحجة ارتفاع سعر صرف ، فالـ (كنزة) التي كان سعرها في العام الماضي 3000 ليرة، أصبح اليوم 12 ألفاً، والجاكيت الذي كان من الممكن شراؤه بـ 12 ألفاً ارتفع إلى 30 ألفاً، وهكذا بقية القطع، وهذا أثر سلباً وبشكل واضح في محلات الألبسة المستعملة، فقد أغلقت مجموعة كبيرة منها بسبب عدم قدرة أصحابها على شراء البضاعة بالأسعار الجديدة.
(كورونا) وشحن!
ولم تتخلف الأحذية عن الالتحاق ببورصة الارتفاع، وسجلت تضاعفات وليس تضاعفاً واحداً في أسعارها، فما كان يمكن الحصول عليه بمبلغ يتراوح بين 10 و15 ألف ليرة، أصبح اليوم يتراوح بين 30 و 40 ألفاً، وبجودة متوسطة أو منخفضة كما أفاد العشرات في استطلاع الرأي.
وللوقوف على الأسباب، التقت (تشرين) الصناعي عبد الرزاق الحجيري الذي أرجع سبب ارتفاع أسعار الأحذية إلى منشأ المواد الأولية، وضعف القدرة الشرائية ، ما سبب ارتفاع أجور التصنيع والعقارات والعمالة والضرائب حتى في الصين التي تعتبر وجهة الاستيراد الأولى بالنسبة للتجار السوريين والتي فرضت قيوداً كبيرة على شركات الشحن، حيث لم يعد يُسمح بدخول وخروج أكثر من 30% من عدد حاويات الشحن التي كانت تدخل سابقاً إليها، ما أدى إلى ارتفاع أجور الشحن بنسبة تقارب 200%، يضاف إلى كل ذلك أيضاً ارتفاع ضريبة الجمارك في الموانئ، وتقييد دخول الكثير من المنتجات، ما سبب شحاً وأحياناً ندرة في المواد الأولية, الأمر الذي تسبب بعائق كبير أمام المصنعين، ودفع الكثير من المستوردين إلى الاحتكار ورفع الأسعار.

ولا يقف الأمر عند الأسباب المذكورة، بل لعب إغلاق المنافذ الحدودية بوجه المصدرين السوريين ، دوراً كبيراً في خفض الإنتاج بشكل كبير في المصانع، والفارق الكبير بين المصاريف الكبيرة والإنتاج القليل، أدى إلى رفع سعر المنتج لتعويض جزء من الخسائر الكبيرة التي يتكبدها المصنعون, هذا بالنسبة للأسباب الخارجية.
مصاريف كبيرة وشح كوادر
أما داخلياً، فيؤكد حجيري أن عجلة الصناعة لا يكمن أن تدور من دون مواد أولية يتم شراؤها من الخارج، وهذا سيؤدي حتماً إلى تقييمها على سعر الصرف عندما تباع في الأسواق السورية، والفارق الكبير في سعر الصرف يشكل عبئاً كبيراً لا يستطيع المواطن السوري (مصنع تاجر مستهلك) تحمله، إلا أن عجلة الصناعة يجب أن تدور رغم كل المصاعب، لكن لا ندري إلى متى بإمكانها الاستمرار في ظل أوضاع كهذه؟
وفي التفاصيل، أوضح الحجيري أن من أهم الأسباب أيضاً ارتفاع إيجارات وأسعار العقارات، والمصاريف الأخرى التي تدخل في الصناعة مثل الوقود والمحروقات بمختلف أنواعها، وصعوبة الحصول عليها أساساً لعدم توفرها للمصنّع ، الأمر الذي يضطره لشرائها من السوق السوداء بأسعار مرتفعة جداً من أجل الاستمرار في التصنيع، كذلك قلة الكوادر العاملة وهجرة الكثير من الخبرات المحلية، ما أدى لرفع أجور العمال والخبراء في المصانع، ولم ينكر الحجيري أيضاً طمع وجشع بعض التجار بوضع هوامش ربح كبيرة على معروضاتهم، وخاصة الماركات العالمية، مع العلم أن هذه الماركات مصنعة بالمواد الأولية ذاتها التي تُصنع منها بقية المنتجات لكن من دون ماركة.
(حماية المستهلك).. الروتين ذاته
مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق عدي الشبلي أجاب (تشرين) عن سؤالها حول دور حماية المستهلك في ضبط أسعار الألبسة والأحذية؟ بأن دورياتهم تقوم بمراقبة الأسواق ومتابعة أسعار الألبسة والأحذية من خلال الإعلان عن الأسعار وتداول الفواتير والمواصفات ومعالجة الشكاوى المتعلقة بالمواد الاستهلاكية كافة بما فيها الألبسة والأحذية، موضحاً أنه عند الشك أو الشكوى تقوم الدوريات بسحب عينات من المادة المشكوك بارتفاع سعرها أو نوعها أو مخالفتها للمواصفات بموجب ضبط عينة، ويتم عرضها على لجنة خاصة مشكلة لدراسة أسعار عينات الألبسة والأحذية، تضم خبراء من غرفة الصناعة والتجارة وممثلين عن اتحاد الجمعيات الحرفية وجمعية حماية المستهلك، وفي حال مخالفة العينة سعرياً، يتم تنظيم الضبط التمويني اللازم، إضافة إلى اقتراح إغلاق المحل أصولاً، ويحال الضبط إلى القضاء المختص. وأكد شبلي أنه وخلال عام 2020، تم تنظيم 1100 ضبط عدلي يتعلق بمخالفات الأسعار والمواصفات للألبسة والأحذية، وتم سحب 150 عينة ألبسة تتعلق بالمواصفات والأسعار.

قد يعجبك ايضا