كماليات أسعارها بالملايين في أسواقنا بعضها مهربة

منال صافي

يفترض المنطق أن تكون أسواق الدول التي تتعرض لحروب اقتصادية وحصار ظالم – مثل سورية – مقتصرة على استيراد الضروريات، وحتى الضروريات يتم تأمينها بصعوبة، وهو ما يحدث في سورية حيث تشح المحروقات والأدوية أيضاً، لكن اللافت هو وجود أغلى وأفخم البضائع العالمية في أسواقنا، وذلك لتأمين متطلبات بعض الشرائح – بغض النظر عن مصادر أموالها سواء أكانت مشروعة أم غير مشروعة – تلك الشرائح التي لا تقوى على التقشف وتغيير نمط حياتها المتعلق بالرفاهيات، فنجدهم يدفعون مبالغ تعدّ خيالية بالنسبة للشريحة الأوسع مقابل توفرها.
دهشة كبيرة تتملك السيدة إلهام التي رأت شخصاً يدفع مبلغ /10/ ملايين ليرة ثمناً لجهازي خليوي في برج دمشق، بينما كانت هي تحاول إيجاد غطاء لجهازها المتواضع لحمايته من الصدمات!
أما (ياسر) صاحب أحد الأكشاك في مركز المدينة، فيتوفر لديه ما لذّ وطاب من الأصناف الغذائية الأجنبية (بسكويت – شوكولا – دخان – وغيرها…) فما عليك إلا أن تطلب ما تريد وتنتظره بضع دقائق ليعود محملاً بما تريده معلقاً: (ما منسترجي نعرض هالبضاعة .. الجمارك والتموين بيخربوا بيتنا).
من المؤكد أن بعض السلع الكمالية تدخل بشكل نظامي، وبعضها الآخر عن طريق التهريب عبر المعابر غير الشرعية، وبكلتا الحالتين يرى البعض أنه من الأفضل تسخير القطع الأجنبي للاحتياجات الأساسية كالمواد الغذائية والأدوية والمواد الأولية الداخلة في عملية الإنتاج الزراعي والصناعي.

معادلة التوازن
من جهته الصناعي عاطف طيفور أكد ضرورة ضبط وتقنين الاستيراد بناء على معادلة توفر القطع الأجنبي ومدى الحاجة للمادة المستوردة وإمكانية توفرها محلياً، وأن التهريب العشوائي يتم بناء على توجه المهرب نحو الكماليات غير المتوفرة داخلياً والتي تهم شريحة محددة، مشدداً على أن التهريب هو استنزاف للقطع الأجنبي الذي يعد حاجة ماسة لشريحة واسعة من المواطنين لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وطالب طيفور بضرورة التوازن بالاستيراد والتقنين للحد الأقصى خلال هذه المرحلة وتحقيق التوازن بالتصدير للحفاظ على المواد الغذائية ولقمة العيش الأساسية، إضافة لتفعيل دور الجمارك بكل القطاعات وعدم الاكتراث لمن يطالب بمنع عملها وتحديد مسؤولياتها، مؤكداً أن الجمارك هي الرافد الأكبر لخزينة الدولة.
تشوهات اقتصادية
من جهته الخبير الاقتصادي ماهر سنجر أكد أن الحصار الجائر المفروض على سورية ساهم في تدني الدخل مقارنة بالسنوات السابقة.
وقال: (التقرير الوطني للأهداف الإنمائية للألفية الذي صدر في عام /2010/ قدم توصيفاً عن ضعف وعدم عدالة توزع الدخل، إضافةً إلى التفاوت بين توزع الثروات والدخول بين السوريين، فالرواتب اليوم أخفض مما كانت عليه لدى إصدار التقرير، مع استمرار مشكلة توزع الدخل والثروات التي زادت حدةً بسبب الإجراءات الاقتصادية أحادية الجانب القسرية المفروضة والحصار الظالم على سورية، وهو ما أشار إليه بشكل أو آخر الاستعراض الوطني الطوعي الأول عن أهداف التنمية المستدامة في حزيران عام 2020.
نظرية البقاء
وأضاف سنجر: إن الحرب والحصار الظالم على سورية عزز من دافع البقاء الذي يستند إلى العامل النفسي للمستهلكين الأقل دخلاً، أي اللجوء إلى الإنفاق على المطاعم والمنتجات ذات الجودة غير المرتفعة أو المنتجات الصغيرة والباهظة الثمن بما في ذلك استبدال الأجهزة الخليوية أكثر من الإنفاق على الاحتياجات الضرورية وذلك كنوع من أنواع إثبات الوجود والتفاؤل وتأكيد استمرار الحياة ومحاولة عدم تغيير جزء من العادات الاستهلاكية إن أمكن، مشدداً على أنه بالإمكان تقسيم السوق المحلي اليوم إلى مستهلكين يحاولون إشباع حاجاتهم الأساسية من طعام وشراب، ومستهلكين باحثين عن إشباع رغباتهم من خلال شراء الأجهزة الخليوية الباهظة الثمن والسيارات الفارهة، وبالتالي لا بدّ من أن يستهدف التجار شريحة المستهلكين الأثرياء من خلال تأمين انسياب البضائع بما فيها الكماليات لإشباع رغبات هذه الفئة.
هوامش ربح خيالية

وأوضح الخبير سنجر أن هامش الربح المرتفع أساساً على أجهزة الخليوي مقارنة بدول العالم والجوار، أصبح أعلى بكثير وقد تجاوز عتبة /100%/ أحياناً من قيمة كل جهاز، وأن التجار استغلوا حالة نقص المخزون من الأجهزة الخليوية ومن تأثير نظرية البقاء على المستهلكين والفروقات في توزع الدخل وتركزه بأيدي قلة ومن رواج العلامة التجارية لبعض الأجهزة، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار بالقرارات المتخذة والمتعلقة بتعليق مؤقت لاستيراد بعض المواد ومنعها، حيث شهدت الفترات السابقة صدور جملة من القرارات الوقائية المتعلقة بتعليق مؤقت أو وقف استيراد بعض المواد والمنتجات لحماية الاقتصاد الوطني والمنتجات المحلية واستبدال المستوردات بمنتجات محلية وعدم استنزاف احتياطيات القطع الأجنبي، حيث ارتبطت هذه القرارات بتحديد بلد المنشأ لهذه المنتجات خشية الالتفاف على هذه القرارات وتمرير هذه البضائع على أنها بضائع عربية المنشأ ما سيفوت الكثير على الخزينة العامة.
وأردف: إن المنع والتعليق المؤقت لاستيراد بعض المنتجات بما فيها الأجهزة الخليوية كانا سبباً للتهريب والإدخال غير الشرعي ما استدعى وضع جملة من القرارات لوقف التهريب ودخول هذه الأجهزة بطرق غير شرعية ومنها القرار الخاص بجمركة الأجهزة والتعديل على قيمة هذه التعرفة لعدة مرات.
«التجارة الخارجية» لم تجب
اتصالات متكررة لوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية وعلى مدار ما يقارب الـ 15 يوماً عبر المكتب الصحفي وعبر رسائل نصية طلبنا فيها من معاون الوزير بسام حيدر الرد على اتصالاتنا لكننا لم نحصل على إجابة عن أسئلتنا حول الإجراءات المتبعة من قبل الوزارة لضبط إجازات الاستيراد بهدف الحد من هدر القطع الأجنبي.

بين الاقتصاد والجمارك
وبين تصريحات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية التي تتحدث دائماً عن دورها بضبط الاستيراد وترشيد القطع الأجنبي، وبين تأكيدات الجمارك مواصلة حملاتها ضد التهريب والمهربين، لا تزال الأسواق المحلية تعج بكل ما تشتهيه الشرائح المترفة من ثياب وعطور أجنبية وسيارات فارهة وأجهزة خليوي يصل ثمنها إلى عشرات الملايين، بينما أصحاب الدخل المحدود يعملون ليل نهار لتأمين أبسط مقومات العيش لأسرهم!.

قد يعجبك ايضا