آخر تحديث: 2021-01-17 19:33:54

في ذكرى اليوم العالمي للمنطق

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تحتفل “اليونسكو” كل عام في الـ 14 من كانون الثاني (يصادف غداً الخميس) باليوم العالمي للمنطق في منعطف تاريخي بالغ الخطورة على العقل والمنطق، وفي لحظة تاريخية لا تتنكّر للمنطق كعنوان يصلح للبروباغاندا وإنّما تتنكّر لمحتواه وأقضيته وروح هذا الفنّ، في عالم يحفظ الكلّ هذه الترانيم ولكنه فضلاً عن جهله بتفاصيل معيار العلم فهو لا يريد، فالإرادة تظل خارج أقضية المنطق لأنّها أصلاً تستطيع التنكّر للعقل كله، فكيف بصناعة منه لم تكتمل بعد.

هذا «الأورغانون» منذ ولد في سديم الجهل وانبثق كومضة نور في ليل من المُغالطة لا زال مشروعاً لم ينجز، ذلك لأنّ له ما له وعليه ما عليه. فأمّا ما له فبهذا القليل قد ندبّر قضايا محدّدة لكنّنا لن نجهل فقط قضايا أخرى بل سيصبح الأورغانون آلية لحجبها: الشّق الجاهلي من المنطق الأرسطي، ولكن هذا الشّق هو جاهلي لأنّه يؤمّن بعضا من التجهيل في زوايا معتمة من حقائق الأشياء.

كلما تراكمت أساليب الجدل طفت الحاجة إلى ميزان يضبط التفكير ويضع بين يديه آلة عاصمة من الخطأ، هذا ما يزعمه التعريف الكلاسيكي للمنطق، فهل يا ترى المنطق عاصم للفكر من الخطأ؟

يطرح التعريف إشكالات كثيرة على رأسها: هل اكتمل المنطق حتى يكون عاصماً من الخطأ.. هل المنطق الأرسطي هو نهاية التّاريخ.. وهل المنطقيات الحديثة التي جاءت في طوله وعرضه تامّة وكاملة لكي تنهض بمهامها في عصمة الفكر من الخطأ؟

كان على الآلة العاصمة أن تكون أمتن وأكثر مرونة وأوسع من الفكر، لأنّ الفكر يشغل مساحة أكبر مما يتيحه المنطق، فالفكر بناء على ما تتيحه آلية المنطق سيكون أقل مما يطلبه العقل في تمثّلاته الأكثر غنى، لنتصور كم كانت هندسة أقليدس ستحجّم المجال لولا الهندسات المكمّلة أو البديلة؟

هل يا ترى استطاع المنطق الأرسطي أن يغطّي كل هذا المجال الذي يحتوي سائر حقول المعرفة.. أي معنى للمنطق الأرسطي حتى في المدينة الديكارتية الحديثة فما بالك بالمجال الوحشي وأقضيته المتمرّدة على التعليل؟.. وتبقى هنا قصة عدم إمكانية شمول المنطق لكل حقول المعرفة إشكالية حقيقية، وعلى الأقل بما أن الأورغانون الأرسطي عاجز عن احتواء العالم كان لا بدّ من تقسيم المهام وتجزئة العلم، وها نحن نعيش فتنة انقسام العلم التي انتهت إلى صراع أطرافه، وبات كل حقل يصيغ عقله بمعزل عن الحقل الآخر، وتبلقن العلم.. لا بل تبلقن المنهج.. لا بل تبلقنت أنماط التعريف، لم نعد نتحدث عن وحدة العقل والإنسان والعلم، وهذه ضريبة علم وُجد ليكون أداة تساعد على التفكير الصحيح بينما انتهت بحرب أهلية بين حقول المعرفة.

لن نفتح نقاشاً حول «إبستيمولوجيا» الصناعة المنطقية، ولن نفتح ملف «الميتا- منطق» لنقف على هشاشة الصناعة ومُلاوغة الصُّنّاع، ويكفي أنّ الصراع لما يحتدم بين داعية المنطق ومن لا تخفى عليه حيل الصناعة يتوسّل بأساليب غير منطقية وينتهك الآلة العاصمة ويطلق اللّجام للغوغاء، ولكن ما يهم هنا هو ظاهرة تمنطق المُغالطة حيث أنّ المنطق يجب أن يُعاد تأسيسه ليحتوي سائر مُغالطات الإنسان، فخلف كل مُغالطة تكمن حيلة تلتفّ على المنطق ما ظهر من قواعده وما خفي، ونستطيع تأسيس علم للمنطق أوسع وأمتن من خلال تأمّل أساليب شياطين النّوع.

وكان من المفترض أن يتوقّف الكلام طالما لا جدوى منه في غياب ميثاق حقيقي ينظّم التواصل بصورة لا مجال فيها للمُغالطة، هذا شيء صعب للغاية لأنّ المُغالطة ستستمر في حياة النوع وهي ملح الغوغائية الكونية. وعلينا أيضاً أن لا نلوم النّاس عن هذا الاستهلاك العمومي للمُغالطة في غياب ثقافة وإجراءات للصحة العقلية. فالمنطق في الحياة العامة لا سيما في المجتمع العميق هو هذا الخليط من المعقول واللاّمعقول، وربما ستجد فيه الكثير من ملامح المنطق بخلاف الثقافة العالمة أي المكتوبة والصادرة عن التّعلّمات فهي تقوّض المنطق وتهدم المناعة وتجعل المعقول في خدمة اللامعقول.

لقد كانت مهمّة الإنسان أن يتميّز بفكره عن سائر الحيوانات، غير أنّنا ندرك أنّ الإنسان لا يمكن أن يتميّز عن الحيوان ببضعة قواعد منطقية، يمارسها الحيوان أصلاً على سبيل الجبر لا الاختيار، فالحيوان لا يخطئ حيث يخطئ الإنسان، والحيوان منطقيّ فيما هو من شأنيته، فلا يوجد حيوان يخطئ فيما هو مخلوق له، فالحمار لا يقع في ما يخالف مبدأ الهوية ولا يقوض مبدأ التناقض ولا يأتي الثالث المرفوع، لكن الإنسان يفعل ومهما تعلم فهو يفعل، فهل هذا هو المنطق الذي يميز به الإنسان ماهيته؟

(الثالث المرفوع.. مبدأ فلسفي يقول: إذا صدقت قضية أو صدقت نقيضتها فلا مكان لقضية أخرى بينهما. فمثلاً «سقراط حي» أو «سقراط ميت» هما قضيتان متناقضتان، إذا صحت الأولى كذبت الثانية والعكس بالعكس، ولا ثالث بينهما).

اليوم وجب على البشرية أن تحدث انقلاباً في الصناعة المنطقية لتميز نفسها عن نفسها في حالة انحطاط ، لتتحرر من ميلها إلى الضحالة، فالمنطق مشكلة إنسانية، مشكلة إنسان مع نفسه، لأنّه الكائن الذي يتهدّد الطبيعة البشرية والبيئة والمعنى، هو وحده معني بالمنطق لا ليجسد تميزه عن الحيوان بل ليثبت ولو مرة واحدة في تاريخه أنّ كائن غير مُخرّب.

نتأمّل طبيعة صراع المُعاقلات، لا يوجد منطق بل نوجد في مرحلة انتقالية نحو ملامسة الأنطولوجي، وحيث لا زلنا لم نلامسه فنحن مضطرون إلى ضروب المُعاقلات التي تشبه صراع الأشباح، يصبح المنطق هنا امتداداً للجهل.

في المشهد الثقافي حيث نشهد حالة التعويض الكبرى عن فراغ المعنى، تصادم المعاني واصطكاك المصطلح في فوضى المُعاقلات، التّهافت الأعظم والتكرار الكوني للضّحالة والإنسداد الأكبر والخداع الذّاتي الملوّن، إنّ المنطق بات الحقل الأكثر مدعاة للتحرير، أصبح شاهد زور على المُغالطة، فاليوم العالمي للمنطق هو بالأحرى ذكرى لتراجيديا الفكر الإنساني.

يتجه العالم اليوم وجهة خطيرة من حيث أنها تتجه إلى أوج اشتباك جيوب اللاّمعقول، سباق يجري بلغة المعقول وهو يشهد نهاياته لأنّه على حافة التناقض التّام. هناك ما يدعو للتّفاؤل إذن ولكن الفجوة التي نعيشها هي مرحلة انتقالية، مرحلة أوج الصراع لأنّ تركيب الجدل لم يحن بعد من وجهة نظر تاريخية حيث هناك في التركيب يتحقق الرشد البشري والحداثة القصوى التي لا رادّ لها عند الجميع، اللحظة التي تتهاوى فيها ديكتاتورية المنطق الوحيد لصالح تكامل المنطقيات وانتصار الأنطولوجي بقوّة التجاوز «العبر- منطقي» فالرشد بالتركيب وبالانعتاق من مُغالطة الوجود إلى المرحلة التي يصبح القرار النّهائي يتحدّد خارج هذا الإنحشار «الأونطو- ميتري».

كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

Tags:

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed