آخر تحديث: 2021-01-17 20:40:28

اتفاقية «بريكست».. هل تبقى بريطانيا مملكة متحدة؟

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

على طريقة أفلام هوليوود تمكنت بريطانيا والاتحاد الأوروبي من التوصل إلى اتفاق اللحظة الأخيرة الذي نزع فتيل انفجار أزمة كبرى هددت القارة الأوروبية بأكملها.

قبل الاتفاق بثمانٍ وأربعين ساعة تصاعدت وتيرة الأزمة على وقع انتشار السلالة الجديدة من فيروس كورونا في بريطانيا، فأعلنت معظم الدول الأوروبية إيقاف حركة النقل من وإلى المملكة المتحدة، وتجلت الأزمة في أوضح صورها بمنظر الشاحنات المكدسة في ميناء دوفر البريطاني بعد إغلاق الحدود مع فرنسا. كانت تلك الصور بمثابة جرس إنذار حذّر البريطانيين من تداعيات حلول موعد مغادرة الاتحاد الأوروبي من دون الوصول إلى اتفاق.

للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية يجري الحديث في بريطانيا عن نقص في الدواء والغذاء. كان الحديث مُنتشراً إلى درجة دفعت الحكومة البريطانية إلى إصدار بيان ينفي وجود هذا النقص. لم يُهدئ البيان من روع البريطانيين، الذين رأى الكثيرون منهم أن ما يجري مؤامرة لخنق بلادهم، خاصة في ظل سيل التقارير الإخبارية التي تحدثت عن خسائر ضخمة وكارثية يمكن أن تلحق ببريطانيا إذا لم تتحقق معجزة الاتفاق.

بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون كانت الأزمة بمثابة «رب ضارة نافعة». فقد استغل ذعر مواطنيه ليهرب من التعهدات التي أطلقها في حملته الانتخابية، من أنه لن يوقع اتفاقاً إلا إذا تحققت جميع الشروط البريطانية. لقد استطاع تحويل الأزمة إلى نصر خاص عندما خرج على البريطانيين رافعاً كلتا يديه بإشارة النصر، مُعلناً توقيع الاتفاق وتحقيق “المعجزة”.

لاقى الاتفاق ترحيباً محلياً وأوروبياً، باستثناء اسكتلندا وبعض المتشددين من اليمين البريطاني، الذين رأوا في الاتفاق مناورة (أو مؤامرة) حاكتها بريطانيا وأوروبا لتجاوز العقبات التي وقفت في وجه الاتفاق على مدى السنوات الماضية، وبشكل خاص القضايا المتعلقة بحقوق الصيد، وقواعد «الفرص المتساوية» التي أصر الاتحاد الأوروبي على تضمينها في الاتفاق لحماية الشركات الأوروبية في حال قررت بريطانيا في المستقبل تقديم الدعم لشركاتها أو تخفيف القيود البيئية والعمالية على منتجاتها.

بالنسبة لاسكتلندا فقد شعرت أنها ستتحمل معظم الخسائر الناجمة عن الاتفاق خاصة فيما يتعلق بموضوع مناطق الصيد وكمياته. إذ كانت بريطانيا تطالب بالسيطرة الكاملة على اقتصادها وأرضها ومياهها بما فيه الصيد، لكن الاتفاق جاء لينص على تخلي شركات الصيد الأوروبية عن 25% فقط من حصتها بالصيد في المناطق البريطانية على مدى السنوات الخمس القادمة، على أن تُدرس الكميات التي سيُسمح للأوربيين باصطيادها بعد ذلك، مع احتفاظ أوروبا بحقها باتخاذ إجراءات اقتصادية رادعة، قد تصل حد العقوبات، في حال تصميم بريطانيا على خفض جائر لحصة الأوروبيين من الصيد في نهاية السنوات الخمس. بالمقابل فإن إلغاء الوحدة الجمركية، يعني فرض تعرفة جمركية على منتجات الصيد البريطانية، ما يُضعف من قدرتها التنافسية في الأسواق الأوروبية التي تشكل أسواقاً رئيسية لهذه المنتجات. كما أن بريطانيا تراجعت عن موقفها من قواعد «الفرص المتساوية» لصالح ترتيبات تُخفض من الإجراءات البيروقراطية التي تعيق تدفق البضائع البريطانية إلى أوروبا. يرى الكثيرون أن مصطلح «ترتيبات خاصة» مصطلح فضفاض لعدم وجود إجراءات مرجعية معتمدة.

في تقرير بثته شبكة «بي بي سي» تحدث أصحاب شركات صيد اسكتلنديين عن المصاعب التي تعرضوا لها خلال الساعات التي سبقت الاتفاق، وعن خشيتهم من إمكانية إفلاس جزء من شركاتهم في ثمن تدفعه بلادهم لـ«بريكست» الذي عارضوه منذ البداية. تبدو تخوفات الاسكتلنديين في محلها، علماً بأن الأثر الاقتصادي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حسب الكثير من الاقتصاديين، سيؤدي إلى انكماش الاقتصاد البريطاني بنسبة قد تصل إلى 4%، ما يعني فقد الكثير من الوظائف، وزيادة الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها بريطانيا. وإذا أضفنا إلى ما سبق التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا، بنسختيه الأصلية والجديدة، فإن التخوفات التي يُبديها الكثيرون، من أن أزمة اقتصادية حقيقية ستطول حياة المواطن البريطاني، تبدو منطقية جداً.

الموقف الاسكتلندي من الـ«بريكست» ليس وليد ساعته، وليس مرتبطاً بالاتفاق الأخير. ففي كانون الأول 2019 طالبت رئيسة وزراء اسكتلندا نيكولا ستورجن، بإعادة الاستفتاء على بقاء اسكتلندا ضمن المملكة المتحدة. كان ذلك الطلب تعبيراً عن الرفض الاسكتلندي لقرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنه قوبل برفض قاطع من لندن التي رأت فيه محاولة للانقلاب على نتائج الاستفتاء الذي جرى عام 2014 وصوّت من خلاله 51% من الاسكتلنديين على البقاء كجزء من المملكة المتحدة.

بعد الإعلان عن الاتفاق صعّدت رئيسة وزراء اسكتلندا من موقفها، وكتبت في تغريدة على حسابها على تويتر «قبل أن تبدأ دورة الأحداث، لا بد من التذكير أن بريكست يجري عكس رغبة اسكتلندا، ولا يمكن لأي اتفاق على الإطلاق تعويضنا عمّا سيأخذه بريكست، لقد حان الوقت لنرسم مستقبلنا الخاص كدولة أوروبية مستقلة».

ما بين الترحيب البريطاني المُبالغ فيه، والتوازن الذي رأت مفوضة الاتحاد الأوروبي أورسولا فون دير لاين، ينتظر الاتفاق العبور من البرلمانين البريطاني والأوروبي ليُصبح نافذ المفعول. تبدو الأمور سهلة خاصة بعد وعد الرئيس الجديد لحزب العمال البريطاني كير ستارمر بالتصويت لصالح الاتفاق رغم وجود بعض الثغرات. لكن إقرار الاتفاق لن يكون نهاية الطريق. فالموقف الاسكتلندي الرافض مرشح للتصاعد خاصة بعد البدء بالتنفيذ، وظهور الآثار السلبية على الاقتصاد الاسكتلندي. هذه الآثار السلبية قد تحوّل الرفض الرسمي إلى رفض شعبي، فتعود الجماهير الاسكتلندية الرافضة للبقاء ضمن المملكة المتحدة إلى الشوارع مُطالبة بإعادة استفتاء 2014 لكن النتائج هذه المرة قد لا تأتي بما تريده لندن.

في عام 1856 وضعت حرب القرم أوزارها معلنة انتصار الإمبراطورية العثمانية على الروس، لكن ذلك الانتصار كان نقطة البداية لانهيار الإمبراطورية العثمانية، فهل تكون علامة النصر التي رفعها بوريس جونسون بداية أفول ضباب لندن عن الجزر البريطانية، كما أفلت شمسها عن بقية العالم؟

كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

Tags:

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed