آخر تحديث: 2021-01-17 21:32:25

الشعر على الفضائيات.. “أمير الشعراء” وتنميط الشعر بجماليات انتهت صلاحيتها

التصنيفات: ثقافة وفن

منذ منتصف العقد الماضي، وثمة ظاهرة؛ تنتشر على الفضائيات الخليجية، وإن قلدتها بعض الفضائيات المحلية حتى ولو كان لمرةٍ واحدة، ولاتزال هذه الظاهرة الإعلامية يتم التعبئة لها بين حينٍ وآخر، ما أقصده هنا ظاهرة الشعر على الفضائيات، وهي هنا تقتصر على “المسابقات” التي تُماثل مسابقات الغناء والرقص والتمثيل وغير ذلك. منها على سبيل المثال: شاعر المليون، وأمير الشعراء، وشاعر العرب، وغيرها.
شهب في فضاء تلفزيوني
فاز في تلك المسابقات حتى اليوم أكثر من “أميرٍ” للشعر، وأكثر من شاعرٍ مليوني، وغير ذلك من شاعر للعرب، على سبيل المثال: حصل على لقب “أمير الشعراء” الذي كانت تُقام مواسمه كل سنتين مرة، منذ عام 2007 ولغاية 2016، ستة شعراء من الإمارات، موريتانيا، سورية، اليمن، مصر، والسعودية. لكن هنا نسأل: وماذا بعد ذلك، ماذا أنجز هؤلاء “الأمراء المليونيين” بعد ذلك الفوز المليوني؟؟!، وكم أصدروا من مجموعات شعرية لافتة، وأين هم اليوم، وما هو ترتيبهم في صفوف الشعر وما هي مكانتهم في الذائقة النقدية؟؟
قبل أن نُجيب على تلك الأسئلة؛ دعونا ندخل أكثر في تفاصيل الظاهرة، لنعرف مدى جدية الشعر فيها، وكم كان حجم الزيف في تفاصيلها. هنا لابأس من الخطف خلفاً، ونعود لزمنٍ بعيد، ونذكر إنه مع التطور في بنية القصيدة وشكلها؛ كان غالباً يتم ذلك بالتوازي مع تطور حواملها، فالكتابات الشعرية الأولى، أول ما برزت نقشاً على رقم طينية أو رخامية، وخلال ذلك المسير الطويل، عرفت القصيدة العربية، الكثير من الحوامل، حيث كانت المنابر وساحات القبيلة في مرحلتها الشفوية والشفاهية، حتى تمت كتابتها، وعلى ما يُروى إنه تمّ بماء الذهب، وتمّ تعليق عشرة قصائد سُميت بـ(المعلقات) وهي من أهم ما قيل في الشعر العربي على جدران الكعبة في الجزيرة العربية، وذلك بعد فوزها في مهرجانٍ شعريٍّ عتيق كان يُدعى بـ(سوق عكاظ). وإن كانت الأحفورات الأثرية كشفت لنا عن شعرٍ سوريٍّ عظيم لسوريين فينيقيين سبقوا الشعراء العرب بآلاف السنين دونوا شعرهم نقشاً على رقم طينية وفخارية في الزمن القديم، وفي مسيرة حوامل القصيدة، أيضاً كانت أن كُتبت على الصخور، والجلود، ومن ثمّ حتى احتضنها الورق في كتاب.
إبداع شعري بقرار

غير أنّ أهم الأسئلة التي تُطرح اليوم، هل يُمكن أن يُنتج الشعر بقرار؟؟!!، أي طالما ثمة شروط للقصيدة، يعني ذلك إن ثمة قرار لإنتاجها وتقديمها، وهذا ما يتنافى مع روحية الشعر وحساسيته التي تأتي كدفقات عفو الخاطر، أو كجري السواقي، وأنّ أي تصنّع أو حرفنة في كتابة القصيدة، سيقتل كل هذه الحساسية الشعرية، ومن هنا نُفسر كيف ذهبت القصيدة العمودية صوب النظم وحسب، وقد استنفذت آخر جمالياتها مع هذا التصنع. أي الابتعاد عن الإبداع الحقيقي، تقول إحدى الشاعرات السوريات ممن وصلنا إلى مرحلة العروض المباشرة في مسابقة أمير الشعراء: “يشترط للمشاركة في مسابقة أمير الشعراء، في قصيدة الشطرين أن يتراوح عدد أبياتها بين العشرين والـثلاثين بيتاً، وإذا كانت القصيدة من شعر التفعيلة فيجب أن يتراوح عدد الأسطر بين العشرين والثلاثين سطراً دون تحديد الموضوع” وهنا يتم تغييب شكل شعري – مهما قيل عنه- وهو الانعطافة الأحدث منذ ما يُقارب من مئة سنة في المشهد الثقافي العربي، وأقصد بذلك قصيدة النثر، بمعنى إنّ هذه المهرجانات من المُسابقات وبكل إغراءاتها المالية؛ تأتي لتضع سداً في وجه سيرورة الشعر، وقد عُرف عن القصيدة في العالم العربي مراوغتها لكل الخواتيم، بمعنى أن صُنّاع الشعر العربي؛ كانوا في كلّ مرة يجدون انعطافة جديدة حتى لا تصلُ القصيدة إلى مرافئها الأخيرة، وما يجري من غايات هذه المسابقات؛ وضع الشعر في المياه الراكدة، لتصيبه العطالة الفكرية والجمالية كما أصابت الكثير من مناحي الفكر والجمال في العالم العربي، بمعنى هي حرب غير مُباشرة على قصيدة النثر، تلك القصيدة التي من أهم مميزاتها ليس أنها تخصلت من إيقاع خطوات العير في الصحارى المُقفرة، وإنما تخلصت من أهم أغراض القصيدة العمودية، وهو (المديح) الذي كان يُطرب إليه السلاطين والملوك وزعماء القبائل، وعلى ما يبدو هذا لا يُناسب تلك الذهنية التي تنتشي لإيقاعاتٍ موزونة بائسة..
مصادر نفطية
وبالنظر إلى مسابقات الشعر على الفضائيات أكثر ما لفت الانتباه إليها: إنها جاءت من نتاج ومصدر خليجي، ميزة الثقافة لديه، أنها بمعظمها تميل لـ”السلفية” ومن ثم كان الترويج لشكلٍ شعري افتقد منذ زمن طويل جمالياته، أو هو في الحقيقة استنفذها. حتى إن مفردة “أمير” التي تسبق مفردة الشعراء، وما توحي به من حالة ذهنية قبلية، أي العمل على تكريس الحالة القبلية، باتجاه تفريق المفرق أصلاً؟
وهنا يُمكن أن نتساءل: أليس ذلك، ما يُشكل “اختطافاً” للثقافة العربية. وتأتي حالة أن يصير “المرء” شاعراً نجماً بين عشية وضحاها، على حساب عشرات الشعراء الحقيقيين الذين يقبعون في الزوايا المظلمة.؟ والملاحظ إن الشعراء بعد كل تلك “الهمروجة” الإعلامية، انتهوا مع انتهاءها، ولم يقدموا ما يؤكد أنهم من أمراء الشعر، أو من زمرة الشعراء المليونيين؟، وفي هذه العودة للشفاهية في الشعر، نسأل: لماذا لم تستطع تلك الفضائيات أن تردم الهوة بين الشعر والمتلقي، بمعنى رغم كل الحالة التعبوية التي ترافقها، لم تؤثر في الذائقة والرؤية الشعرية، ولا حتى في المنظومة الشعرية بشكلٍ عام، بل بقي الشعر في جزيرته المعزولة، وبقيت الهوة سحيقة بين القصيدة والمتلقي؟
محاولة متقهقرة
حاولت وزارتا الثقافة والإعلام في سورية، أن تُعيد ما اختطف من الشعر إلى بيته الثقافي الحقيقي من خلال برنامج “شعراء الشام” على قناة الدراما منذ فترة ليست بعيدة، غير أن أمر تلك المحاولة لم يختلف كثيراً عما فعلته المحطات الفضائية ، عن أسباب ذلك يذكر الشاعر حسان الجودي؛ إنه في المسابقة الشامية؛ استولي الشعر الغنائي على المشهد التلفزيوني الشعري. كما أن أعضاء لجنة التحكيم يؤكدون على ضرورة حضور الجمهور (التصفيق) من خلال التأكيد على مسألة الإلقاء. وهذا يوقعهم في مطب نقدي كبير برأيه، فالقصيدة الحديثة ليست صائتة وهي أصلاً بصرية وليست مشهدية صوتية. من جهته، يذكر الشاعر والباحث سلطان العميمي، وهو أحد المحكمين في برنامج “شاعر المليون”: “تختلف المسابقات عن برامج الشعر العادية، في القنوات التلفزيونية المتخصصة بالشعر، فموادها متداخلة مع التراث، رغم أنه بإمكانها تقديم مادة شعرية، وذلك في حال اعتمدت على منهج التخطيط والعمل المدروس في هذا الحقل. إلا أن حشو بعض هذه القنوات بأية مادة، وتحت مسمى التراث، أمر فيه ضرر كبير.” ويضيف: وربما لهذا السبب، وقع العديد منها، في مطب الإفلاس ثم الإغلاق، ذلك بفعل أسباب مادية، أو لعدم قدرتها على استقطاب الجمهور.
حيث من أهداف هذا البرنامج كما يتحدث القائمون عليه دائماً إنه: ” يستلهم التراث العريق، ويهدف لاستعادة روائع الشعر وإحياء الموروث الثقافي العربي.” هكذا بالحرف!!

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Tags:

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed