آخر تحديث: 2020-11-28 04:04:44

حرائق تشكيلية انطفأت حرائق الغابات.. وبقيت اللوحة شاهداً على الوجع

التصنيفات: ثقافة وفن

ربما كان من الأفضل أن ننتظر قليلاً حتى يلتئم الجرح مع بداية موسم الأمطار لنكتب عن المصاب الجلل الذي جاء على ساحلنا وجبالنا الخضراء والتي التهمت النيران أرواح أشجارها وأتت على خيراتها وثمارها فشوهت جمالها قبل أن تتركها تُطفئ أوجاعها هنا وتخمدها هناك بهمّة أهليها وأحبائها وبنيها.. وكما احترقت قلوب كل السوريين والكثير من الأشقاء بهذه المأساة، اشتعلت ريشة بعض الفنانين التشكيليين السوريين حرقةً لتخلد لحظة الألم وتحولها إلى أبدية فنية.. فكيف تناول فنانونا التشكيليون قضية حرائق الغابات، وما هو دور الفن كوثيقة تاريخية ورسالة عالمية؟.
قيامة جديدة
يقول الفنان التشكيلي محمد أسعد المعروف بـ”سموقان” : «لعلي أكون أكثر فنان سوري رسم الغابات منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي وحتى الآن، وقد رسمت الغابة بخصوصية عالية تخصني لي وحدي كما تخص هوية التشكيل السوري، لقد عملت على اللامرئي فيها وجعلته مرئياً جداً بحيث أصبح المخفي واضحاً، وعرضت غابتي في بلدان عدّة من دول العالم رسمتها في بهائها وحلمها في صمتها وجبروتها رسمت قيامتها».. ويتابع سموقان: «اليوم نجد أنفسنا أمام كارثة بيئية كبيرة، هي صدمة بصرية غير متوقعة، لا شيء أمامك إلا السواد والموت للأخضر، واليوم أجد نفسي أواجه هذه الكارثة بنوع من التحدي، الغابة هي الحياة، هي سورية، هي نحن، ستقوم من جديد كما قامت مراراً لقد صرحت أنني سأعيد رسمها قوية حالمة غاضبة متجددة، مؤمناً بأنها ستقوم من جديد وستعود لها الحياة والجبروت والقوة في الشكل والمضمون». وعن لوحته يقول: “رأيتُ في البشر أشجاراً، وفي الأشجار بشراً ومخلوقاتٍ أسطورية، رسمتُ البشر وهم يتراكضون ويرقصون في دوائر، هم نحيلو القامة، أجسادهم رشيقة كرشاقة البعل، بعضهم يرتكز على الأرض وبعضهم يطير في السماء التي يتغير لونها من لوحةٍ إلى أخرى، لأنها دوماً تتهيّأ لاستقبال قادمين جدد، هي بسطٌ مزركشة بكل الألوان وتزرقُّ أحياناً, حين يختفي رأسٌ متطاول أبيض بين الغيم فتصبح الغيوم رؤوساً لبشر وحيوانات وأهلّة.. وهناك آخرون لهم القامة نفسها, محمَّلون بخصوبة الأرض”.. وعن دور الفن التشكيلي كوثيقة تاريخية يقول فنان الأساطير الأوغاريتية المدهشة: “أعتقد أن أغلب الفنانين السوريين قد سجّلوا هذه الكارثة البيئية الكبيرة كلٌ بطريقته وأسلوبه وهناك البعض من له مشروعه الآن حول هذا الحدث، ما أود أن أقوله أن الإنسان السوري وخاصة الفنان لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي يتفرج بصمت، وأعتقد أننا سنرى مشاريع ومعارض تتصدى وتسجل هذه الكارثة التي ابتلى بها الشعب السوري، والفن السوري هو فن عريق يعيش الحدث وله تاريخه وأساطيره التي كلها عطاء ومحبة للإنسان في العالم، فحريق الغابات لا يقلّ عن «فداحة» الحرب، وفي الأيام القادمة سنرى أعمالاً لفنانين كبار يسجلون الحدث، ليشهد العالم على أصالة الإنسان السوري”..
وثيقة بصرية
الفنان التشكيلي بديع جحجاح يرى أن قضية حرائق الغابات قضية عالمية حدثت في الكثير من دول العالم وهي بلا شك تلامس المشاعر والضمير الإنساني أينما كان، فكيف إذا كانت الكارثة تصيب بلدك! نجلس ونراقبها وتحترق قلوبنا معها ونقف عاجزين عن فعل شيء سوى مشاهدتها تلتهم زيتون الأجداد الذين أفنوا عمرهم في تحويلها إلى غابات معطاء.. وبالنسبة لدور الفن كموثق لتاريخ الشعوب يقول جحجاح: “الفن التشكيلي يعدّ أهم اللغات الشريكة للزمن والمنتصرة عليه، فالزمن لذي لا يوثق بلوحة أو رواية أو قصيدة أو صورة، سينضوي طي النسيان. وفي النهاية الفن بوابة للذاكرة تعبر الأجيال منها إلى ضفاف أكثر محبة وإنسانية ورقي، وهو شاهد حقيقي على العصر وأحد أهم الوثائق واللغات البصرية التي تروي قصص الماضي وتبني للمستقبل، نعم الحرائق أطفِئت لكن اللوحة باقية لتحدثنا عن ألم التهم أٔرواحنا ومضى”.. وعن لوحته، يقول صاحب “غاليري” ألف نون: في لوحة الدرويش الذي يرفع يديه ابتهالاً لمولاه الله حاملاً زيتونته بين يديه، ورغم أنها محترقة إلا أن حريقها ليس قاسياً ومؤذياً بقدر ما هو حالة وجدانية وعلاقة روحانية ما بين الشجرة والدرويش، يفضي لها ما في قلبه ويخبرها بأن هذا الوقت سيمضي، وبأنها ستنمو من جديد”.
شجرة الحياة

الفنان التشكيلي وليد آغا يرى أن: “موضوع الحرائق ليس موضوعاً عابراً أو عادياً بتجرد عن مفهومه التأويلي وكيف يتناوله البعض، لكن نحن نتحدث من ناحية إنسانية ووجدانية، تجاه معلم من معالم البلد، فسورية معروفة بجمال عوالمها الطبيعية، وهي كنز طبيعي حقيقي، وبالتالي فإن ما حدث يدمي الروح والقلب، وهذا المصاب أصاب الكثيرين من أهالينا وليس شخصاً واحداً، لذلك فموضوع الغابات يعني الجميع لأن الشجر يعني البيئة، فكيف إذا كان لهذا الشجر عمر وتاريخ وطابع خاص للمنطقة التي تمد البلد بأكمله وربما البلاد المجاورة بالخشب والثمار إلى جانب المنفعة البيئية!”.. ويضيف آغا: “بدأت أرسم الشجر منذ عام 2008 وبدأت أتعاطى مع شكل الشجرة الطبيعي، وهو عنصر موجود في موروثنا التاريخي، فشجرة الحياة معروفة بدورها الرمزي وما تعنيه، لذلك حين تناولت الشجرة لم أتناولها كمفهوم شكل، وإنما كمفهوم غرافيكي بحت، تلخصت عندي بخطوط وقيم لونية بسيطة جداً لكنْ واضح فيها الحس الإنساني، فالشجرة التي قصدتها لم آخذها من ناحية (منفعيّة) بل غرافيكية تصويرية وكيف أوظفها كفنان، ومن المهم أن نلفت النظر إلى أهمية الصورة التي لعبت دوراً هائلاً في تحريك الرأي العام السوري والدولي تجاه قضية الحرائق وكيف هزت الضمير الإنساني ككل، ومن هذا المنطلق فإن الفنان الذي يريد أن يتحدث عن أي موضوع يريد أن يحرك فيه عوالمه وأحاسيسه الإنسانية التي تتناول حدث يخص بلده تحديداً ويريد أن يقول رأيه فيه ويتعاطف معه، وأنا أحد هؤلاء الفنانين الذين لم يستطيعوا تجاهل هذا الحدث المدمي للعين والقلب، ومع ذلك تناولت الشجرة كرمز ومفهوم للحياة وهو واضح في اللوحة التي رسمتها عن هذه المأساة، فالشجر الذي احترق هو ابن هذا المكان الجميل الذي يربط قلوب السوريين بأكملهم معاً، والساحل السوري الممتد من تركيا إلى لبنان يعني كل قاطني بلاد الشام، فحين تأتي لحظة كارثية على كل هذا الرمز الجمالي والبيئي وتمحوه عن وجه الأرض فمن الطبيعي أن يتألم الفنان ألم كل السوريين ويتأثر ويقول كلمته ويطرح وجهات نظره في حالة وجدانية تماماً”.. ويضيف آغا: “من هذا المنطلق تناولت هذا الموضوع ويمكن أن ترى في اللوحة سمكة، والتي هي بالنسبة لي رمز من رموز الحياة، وهذه السمكة التي أخذت جزءاً جيداً من التكوين التشكيلي للوحة ترمز للإنسان المصاب في هذه الحرائق، ومنه ننطلق من هذا الوجع الذي أصاب إنسان هذه المنطقة، ومن ناحية رمزية أخرى هناك رمز بسيط فحتى العطاء هو عطاء الطبيعة، وكم من الممكن أن تمدنا بشيء من التعويض لهذه الخسارة التي حدثت، وربطها بالغيوم لشكل غير مقصود ما جعلها تبدو وكأنها تستعد لدورة حياة جديدة، فالغيم يحمل لوناً وتفاؤلاً وبعداً زمنياً”.
الفنان التشكيلي بدأ في تناول هذه القضية فوتوغرافياً فأخذ صوراً غاية في الإبهار واستطاع أن يوصل الرسالة الصحيحة المتوافقة مع حجم المأساة، كما اتجه عدد جيد من الفنانين التشكيليين إلى إنجاز عمل تصويري أو غرافيكي لتوصيف الحالة، وتداولوها بشكل جميل من الناحية التشكيلية ولكن بمضمون مأسوي قاسٍ يعبر عن حجم الكارثة.. ودور الفنان، حسب الآغا، هو إيصال رسالة عالمية لأي حدث أو مصاب أو ربما فرح، يقول: “رغم أن المأساة كانت أكبر منا كلنا إلا أننا استطعنا أن نتعامل معها بجدية كبيرة وبنوع من التعبير التكشيلي الجيد، وأتمنى أن نكون أوصلنا رسالتنا إلى العالم لكي يعرف أن سورية ضحية أيادٍ آثمة ومخربة معظمها خارجية تهدف إلى محو الهوية السورية التي هي أكثر من ثقافة ولغة وحضارة وتاريخ بل هي أيضاً أرض وطبيعة وبيئة، وأتمنى أن أكون واحداً من الفنانين السوريين الذين أوصلوا هذه الرسالة، وحقيقة تفاجأت بالصدى الواسع الذي لاقته اللوحة، وهو دليل على أن رسالتي وصلت لكل الناس المهتمين وغير المهتمين، فنحن كفنانين دورنا يتمحور بكوننا شواهد على عصرنا وناقلين أمينين لما يحصل أمامنا، فالفن هو وثيقة تاريخية فنية يترجمها إحساس الفنان، وهو ما أوصله إلينا فنانو الزمن القديم الذين وثّقوا عصرهم في المتاحف والصالات التي تحولت إلى شاهد على التاريخ”.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed