آخر تحديث: 2021-01-20 05:05:49

معركة العودة.. وحقوق اللاجئين

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

في بداية الحرب على سورية، حدثني صديق أسترالي يعمل مع إحدى المنظمات الدولية عن نيته ترك العمل في الأردن، ولدى سؤاله عن السبب أخبرني أن منظمته طلبت منه الذهاب إلى شمال الأردن وإعداد تقرير عن اللاجئين السوريين، ولمّا لم يجد سوى العمال الموسميين، وبعض العمال الدائمين طُلب منه إعداد تقرير عنهم أرسلته المنظمة للممولين على أنهم “لاجئون”، ما أشعره أنه يشارك في مؤامرة.
بعد ذلك تفاقمت قضية اللاجئين السوريين وأصبحت مادة إعلامية تتخم الشاشات بقصص وصور تحمل من الدراما الملفقة أكثر بكثير مما تحمله من الحقائق. وضاعت معاناة اللاجئين الحقيقية بين ما تحمله وسائل الإعلام وما يحاك في غرف السياسة المظلمة. وأهم الحقائق المغيبة كانت السبب الحقيقي لعدم عودة اللاجئين إلى مناطقهم بعد تحريرها من الإرهاب.
قدّمت قضية اللاجئين مادة خصبة في ثلاثة مجالات رئيسية؛ الإغاثة «الإنسانية»، الإعلام، والسياسة. في مجال الاستجابة الإنسانية، تكررت القصة التي رويتها في بداية هذا المقال لدى كل ما يسمى منظمات إنسانية وبشكل خاص تضخيم أعداد اللاجئين وتلفيق القصص ذات الطابع الإنساني، وكذلك القصص عن العمليات العسكرية، والهدف الأساسي كان جلب المزيد من التمويل لهذه المنظمات. يكفي أن نعلم أن ميزانية منظمة واحدة هي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ما بين عامي 2012– 2016 بلغت 16 مليار دولار، وإذا ما ربطنا ذلك بمئات المنظمات الحكومية والخاصة التي تحمل صفة «إنسانية» سنعلم أننا نتحدث عن صناعة متكاملة بميزانيات تبلغ مئات مليارات الدولارات. والمفارقة تكمن في أن منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» اضطرت في الفترة نفسها إلى إغلاق الكثير من خدماتها التعليمية والصحية بسبب عجز في موازنتها بلغ 200 مليون دولار فقط!
في مجال الإعلام، نتوقف أمام كتاب أصدره فيليب سيب عام 2008 بعنوان «تأثير الجزيرة.. كيف يُقولب الإعلام المعولم الجديد السياسة العالمية» ونقرأ من مقدمة الكتاب: «الصراع على عقول وقلوب الناس في الشرق الأوسط لا يدور في شوارع بغداد، ولكن في نشرات الأخبار وبرامج الحوار على قناة الجزيرة». كثيراً ما نردد مقولة إن الإعلام غادر موقع الحدث إلى موقع صناعته، لكن يبقى السؤال: صناعته لمصلحة من؟
أصبح الإعلام اليوم سلاحاً رئيساً في يد قوتين غاشمتين؛ القوة الأولى هي رأس المال الذي يحقق أرباحاً خيالية من تغطية الأحداث في البؤر الساخنة، وهو أمر تجاوز فكرة الأرباح التي تدرها الإعلانات في أوقات الذروة، ليتحول إلى خط إنتاج متكامل يدرّ مليارات الدولارات. لنأخذ مثالاً بسيطاً مثلته منظمة «الخوذ البيضاء» الإرهابية.. فبعد تلفيق الصور والقصص والتغطيات الإعلامية، تم ترشيح هذه المنظمة الإرهابية لجائزة نوبل للسلام، ثم أُنتج عنها فيلم حصل على جائزة الأوسكار الأميركية عام 2016. طبعاً لم يتأثر خط الإنتاج هذا بالحقائق التي تكشفت عن ارتباط هذه المنظمة بالتنظيمات الإرهابية، وبشكل خاص “جبهة النصرة”، أو علاقتها بالمخابرات البريطانية، بل استخدمت هذه المعلومات كمادة دعائية للترويج لهذه المنظمة.
القوة الثانية تمثلها أجهزة الاستخبارات، فكما أسلفت عملت منظمة “الخوذ البيضاء” من خلال تعاونها مع منظمة «ماي دي للإنقاذ» والتي أسسها ضابط الاستخبارات البريطاني جيمس لوميسورير، كعميل استخباري بامتياز لجمع المعلومات وتوجيه العمليات العسكرية، إضافة إلى استغلال دورها “الإنساني” المزعوم في تلفيق القصص، مثل قصة استعمال الأسلحة الكيميائية لاستخدامها ذريعة لاعتداءات عسكرية ضد الدولة السورية.
تحت ستار الإعلام والصحافة يتسلل عملاء المخابرات منتحلين صفة الصحفيين ويقدمون الدعم والتدريب ويجمعون المعلومات الاستخبارية، وفي حال القبض عليهم تثور ثائرة العالم «الحر» مُدّعياً “الدفاع عن حرية الإعلام والصحافة”. هذه الصورة تكررت في سورية والعراق واليمن وإيران وفنزويلا وبوليفيا.
أخيراً، البعد السياسي لقضية اللاجئين؛ فدول العدوان تعمد تحت شعار قضية اللاجئين إلى توسيع قاعدة المشاركين في العملية السياسية. والهدف هو تمييع القضايا الرئيسية، وتحويلها إلى مجموعة من القضايا الفرعية، واختراع مصالح لدول اللجوء تتغلب على مصالح اللاجئين أنفسهم.
في ظل كل هذه السياقات جاء المؤتمر الدولي الذي عقد في دمشق مؤخراً لتشجيع عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، ليوضع هذا الملف في يد الدولة الوطنية السورية، ويوقف استغلاله من قوى تحالف العدوان.
وانعقاد المؤتمر في دمشق، وبرعاية من السيد الرئيس بشار الأسد، يؤكد الاهتمام الذي توليه الدولة السورية لهذا الملف بصفته واحداً من القضايا التي يجب أن تحل داخل سورية وبأيدٍ سورية، كما هو الحال في جميع الملفات الأخرى.

لن تكون الأمور بالسهولة التي نتمناها في ظل تعنت الأعداء والأزمة الاقتصادية ووباء كورونا، فهذه العوامل تجعل عودة اللاجئين معركة حقيقية قد لا تقل بضراوتها عن المعارك الأخرى التي تخوضها الدولة السورية. لذلك فإن كل القوى الوطنية الحزبية والأهلية داخل وخارج سورية مطالبة بالتكاتف مع الدولة السورية لإيصال جهودها في إغلاق هذا الملف إلى بر الأمان.
كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed