هل نطلب الكثير من مجلس الشعب الذي يعد صوت المواطن عندما نؤكد على دور قوي للأعضاء ولاسيما في مناقشة المواضيع الهامة كمشكلة السكن؟!.
ما نطمح له طروحات قوية وأفكار مبدعة وملهمة  ومدروسة جيداً مع خبراء في الشأن الذي يتم تداوله ونعمل في هذه المطالبات جاهدين لأن نكون على مستوى ما يطمح إليه مواطننا في التعبير عن رأيه ومشاكله وأزماته.
في الأمس القريب ناقش مجلس الشعب في جلسته التاسعة من الدورة العادية الثانية للدور التشريعي الثاني المنعقدة برئاسة الدكتورة هدية عباس رئيسة المجلس أداء وزارة الأشغال العامة والإسكان والقضايا المتصلة بعملها ودعا أعضاء المجلس في مداخلاتهم إلى النهوض بعمل الوزارة لتلبية حاجات المواطنين وإيجاد حلول عملية لمشكلة السكن.

نريد حلولاً عملية
وفي واقع الأمر لم نستطع حتى الآن توفير حلول عملية لمشكلة الإسكان بالرغم من الاجتهادات الكثيرة التي قدمت في هذا المجال، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين: أولهما، أن الحاجة تظل ماسة لدراسة حاجات المجتمع المختلفة ومتطلباته  من حيث المستوى المعيشي والمعدل العمري ومتوسط عدد أفراد العائلة.
وثانيهما، أن القضية لا تنحصر في أهمية إيجاد سكن لكل أسرة فقط وإنما يجب أن تشمل قضايا الإيجارات باعتبارها جزءاً من المشكلة وبالاهتمام بها فإننا نكون قد حولناها إلى جزء من الحل.
لكن القضية الأهم تبقى قضية التمويل وما يتصل بها من قروض وما يحيط بها من فوائد من شأنها زيادة عبء المقترض، وبصورة أكثر تحديداً.. فإن دراسة موضوع الوضع المعيشي والأسر المهجرة والمشردة ستضع يدنا على حقيقة أن هناك فئة «معدمة».. وهي الأكثر استحقاقاً للمأوى، لا تجد ما تأكله.. فكيف ستجد ما تدفعه لسداد قروض السكن؟ وبهذا السياق لفت أعضاء المجلس محمد نزار شرفو ونورة حسن وثائر إبراهيم إلى إقامة تجمعات سكنية لعائلات الشهداء ومعالجة تعثر مشاريع السكن الشبابي في محافظتي حمص وطرطوس وتسريع إنجاز المخططات التنظيمية.

نظام يستوعب الجميع
لاشك في أن وضع برنامج إسكاني موحد، بمواصفات موحدة، وبشروط سداد موحدة أيضاً، يبدو أمراً غير عملي.. الأمر الذي يفرض علينا أن نحدد الشرائح.. وأن نبتكر أكثر من نظام بحيث يستوعب الجميع.. ويتعامل مع كل فئة وفق ظروفها وحسب حاجاتها الملحة.. وهذا يفرض علينا أيضاً أن ننوع في التصاميم للمساكن التي تقيمها الدولة.. لأن هناك أُسراً عدد أفرادها عشرة.. وأُسراً لا يزيد عدد أفرادها على (3)، وهناك مهجرون ويتامى وعوائل شهداء وجرحى نحتاج إلى توفير مجمعات خاصة بهم.
ويرى  عضو مجلس الشعب مجيب الدندن أن وزارة الإسكان والأشغال مطالبة بالإفصاح عما أنجزته في مجال إحداث الشركات الإنشائية وتأمين الآليات الثقيلة والمعدات لمرحلة إعادة الإعمار وما وصلت إليه في تنفيذ خطتها لإقامة 46 ألف مسكن العام الجاري وخطتها لإقامة السكن النموذجي في محافظات دمشق وطرطوس وحماة داعياً الحكومة إلى تقديم خطة قابلة للتطبيق بشأن تطوير مناطق السكن العشوائي في دمشق مع الأخذ بالحسبان ضرورة تأمين السكن البديل للقاطنين فيها مع دفع بدل إيجار زهيد.

برامج الإقراض
وفيما يتعلق بموضوع  برامج الاقتراض، وأنواعها، ومستوياتها، وطرق تسديدها بالنسبة لمن يستطيع الوفاء بها.. فإنها تحتاج إلى وضوح أكبر، وإلى مساهمة حقيقية من المصارف ولاسيما العقاري مع الدولة في إدراج حسابات خاصة لأسر الشهداء والجرحى والأسر المهجرة .. ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية  كما أنه يمكن احتساب بعضها من حسابات الجمعيات الخيرية أو التبرعات وغير ذلك إذا وافقت الجهات المعنية  على ذلك.. وقبلتها المصارف المقرضة .. ووضع لها مجلس الشعب  تشريعاً واضحاً ومحدداً.

هل فعلاً توجد مشكلة أراضٍ؟؟
وننتقل إلى المشكلة الأهم التي تحتاج إلى علاج وهي مشكلة الأراضي.. لأن جزءاً كبيراً من الاعتمادات والمخصصات المالية المعتمدة من الدولة، أو المغطاة بوساطة القروض تذهب في الحقيقة لشراء الأراضي التي تقيم عليها الدولة أو المواطن أو الجمعيات السكنية وشركات العقارات  تلك المساكن. ويطالب عضوا المجلس عائدة عريج وزياد سكري بضرورة وجود مكاتب أو مديريات تابعة لمؤسسة الإسكان في مختلف المناطق في المحافظات حيث تحتاج كل من وزارة الأشغال والإسكان ومراكز المحافظات والبلديات  إلى عمل مشترك وخلاق، تساعد فيه وعليه الغرف التجارية وأصحاب الأموال وملاك الأراضي والشركات العقارية والمصارف والجمعيات السكنية  للحصول على مساحات حقيقية كافية لإقامة مشروعات الإسكان الضخمة بشقيه العام والخاص وعلى مستوى الوطن.. لأن لدينا آلاف الكيلومترات ما زالت غير مستثمرة إضافة إلى إعادة الإعمار في مختلف المحافظات .. وحتى المملوك منها يمكن استرداد كثير منه وتوجيهه لأغراض مهمة كهذه بالتوافق مع أصحابها، أو بصرف تعويضات مناسبة.

السكن العشوائي
ولم يغب موضوع السكن العشوائي والسكن الشبابي والادخاري عن النقاش فقد دعا أعضاء المجلس معين نصر ومحمد خير سرور وعهد الكنج إلى تشجيع السكن الادخاري والإيجاري وإيجاد الحلول للسكن العشوائي ويرمز السكن العشوائي في معظم الأحيان إلى عدم توافر الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في التجمعات السكنية إضافة إلى عدم تحقيق المستوى الأدنى من الجودة التي تعد ضرورية لتحقيق الحد اللازم من شروط الراحة والصحة والأمان، وذلك من خلال إنشاء مبانٍ لا تتمشى مع النسيج العمراني بشكل مخالف لقوانين التنظيم المعمول بها ويشمل ذلك القوانين العمرانية والصحية والسلامة العامة.
وهناك من يحبذ استعمال لفظ  السكن غير اللائق بدل السكن العشوائي وأعتقد أن التسمية التي يجب إطلاقها على هذه الظاهرة هي السكن الاضطراري، لما يصادفه المواطن من عراقيل وصعوبات ومشاكل يضطر معها إلى اللجوء إلى هذا النوع من السكن.
ويمكن القول:إن هذه الظاهرة  تعوق تنمية المجتمعات ومن هنا يجب الوقوف على الأسباب التي تؤدي إلى ظهورها وأهمها عدم قدرة الدولة على توفير سكن لائق لشرائح واسعة من المواطنين الذين يتصفون بضعف دخلهم والذين تقع على الدولة مسؤولية كبيرة في توفير سكن مناسب ولائق لهم.
يضاف إليه عامل الهجرة والنمو الديمغرافي السريع ما يؤدي إلى ازدياد الطلب على السكن، والذي أضيف له خلال الحرب على سورية عامل النزوح من المناطق التي يوجد فيها إرهابيون إلى المناطق الآمنة، وكذلك الارتفاع الحاد لأسعار الأراضي بسبب المضاربات العقارية ما أبعد شريحة من المواطنين من ذوي الدخل المحدود عن إمكانية حصولهم على  شقة سكنية يمكن شراؤها  بالإمكانات الذاتية.. ولاشك في أن مشروع السكن الادخاري والشبابي كان له دور كبير في حل جزء من المشكلة إلا أن الهدم العمراني الذي تسبب به الإرهاب ضاعف وجود الأزمات في كل النواحي.
في حين يرى البعض أن تقاعس الجهات المعنية أدى إلى تعدد وتداخل المتدخلين في ميدان التعمير، وغياب التكوين التقني والقانوني لدى بعض المسؤولين على القطاع.
ولتجاوز هذه الظاهرة ومعالجتها يمكن طرح مجموعة من الحلول من بينها تسهيل الإجراءات المعتمدة في تدبير ملفات الحصول على رخص البناء خصوصاً ما يرتبط بملكية العقار والتصاميم النموذجية ومراجعة الرسوم المفروضة لفائدة الجماعات، وتسريع معالجة الملفات وتبسيط المساطر المتعلقة بإحداث التجزئات، وتقليص أجل الترخيص وإحداث شباك وحيد خاص بالتجزئات، إلى جانب تدخل مباشر من الدولة من خلال بناء وحدات السكن الشبابي والادخارى رخيصة التكاليف.

هيكلة الشركات الإنشائية
ولعل وزير الأشغال العامة والإسكان المهندس حسين عرنوس يجد في هذه الأفكار وغيرها ما يفيد في هذا الاتجاه، حيث أكد في رده على تساؤلات أعضاء المجلس أن الوزارة تعمل على هيكلة الشركات الإنشائية ودعمها وتأمين مستلزماتها لإنجاز جميع المشاريع الموكلة إليها تمهيداً للبدء بمرحلة إعادة الإعمار، مبيناً أن الوزارة ستقوم بإنجاز 6000 وحدة سكنية خلال العام 2017.
وقال عرنوس: إن الوزارة انتهت من وضع المخطط التنظيمي لمحافظة اللاذقية وتعمل على إنجاز 41 مقسماً سكنياً في عقدة دوير الشيخ سعد في محافظة طرطوس حيث سيتم تسليم 450 شقة سكنية في الربع الأول من العام القادم و 600 شقة حتى نهاية العام، مؤكداً أنه يتم العمل على تطوير المخططات التنظيمية في مناطق السكن العشوائي في المحافظات ولا سيما في دمشق مع الحفاظ على حقوق المواطنين حيث تم إنجاز خطوات «متقدمة وإيجابية» فيها.
وأكد وزير الأشغال العامة أن الوزارة شكلت بالتنسيق مع وزارة الإدارة المحلية «ورشات للتدخل السريع لإعادة الخدمات والطرق إلى أي منطقة تتم إعادة الأمن والاستقرار إليها وفرق عمل لمساعدة الوحدات الإدارية في مجال إعداد المخططات التنظيمية».
وعن عمل المؤسسة العامة للإسكان لفت عرنوس إلى أن المؤسسة تعمل على تهيئة الأراضي وتجهيزها وتخطيطها لإقامة مقاسم سكنية عليها، مبيناً أن الوزارة تعمل على تسريع إدخال القطاع الخاص وبهدف الاستثماري المنظم في عملية الإعمار السكني وإقامة شركات مشتركة للتطوير العقاري.
ولفت عرنوس إلى أهمية التشاركية بين الجمعيات التعاونية السكنية لتأمين رأسمال كبير يسرع إنجاز المشاريع السكنية الجديدة مبيناً أن إقامة طوابق سكنية جديدة لحل مشكلة السكن في حلب «تخضع لاستيعاب المخطط التنظيمي والكثافة السكانية لذلك، أما مسألة الاستملاك فهي حق بالنسبة للدولة لتأمين إقامة مشاريعها».
وعن إعادة منح القروض السكنية بين عرنوس أنه تم مؤخراً رفع قرض السكن الادخاري إلى 5 ملايين ليرة سورية كما أجرت الحكومة اجتماعات عديدة لتأمين الدعم المالي للوزارة بهدف تمكينها من إنجاز مشاريعها السكنية وخاصة السكن الشبابي.

توفير الأمان الحياتي
وفي الحقيقة لا شيء يسعد الإنسان قدر سعادته بتوفير الأمان الحياتي في ظل سلامة الأوطان ورغد العيش فيها.. ودعم قطاع التعاون السكني الشبابي بشكل ينافس القطاع الخاص واستئناف منح القروض السكنية من قبل المصرف العقاري والسماح للمصارف الخاصة بمنح قروض للجمعيات التعاونية السكنية لمعاودة نشاطاتها، خاصة أن موضوع الإسكان يعد، وخصوصاً في الوقت الحاضر، من أهم حاجات المجتمع وأكثر ما ينشده المواطن، وخصوصاً مع ارتفاع الأسعار عموماً وارتفاع إيجارات السكن، ويتقاسم عدد من الجهات الحكومية أدوات الإسكان العام وتوفيره للمواطن هذا إضافة إلى دخول القطاع الخاص في عملية الإسكان من خلال مؤسسات وشركات المقاولات والمكاتب الهندسية ومعارض مواد البناء وغيرها، وفي الوقت الراهن ظهر عدد من العقبات أمام المواطن في عملية إيجاد سكن مناسب وملائم يفي بحاجته هو وعائلته.

print