آخر تحديث: 2021-01-15 21:33:43

درس في الرأسمالية

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

على مدى أكثر من خمسة أيام تسمّر العالم أمام شاشات التلفزة بانتظار النتائج النهائية لانتخابات الرئاسة الأميركية. هذه الانتخابات التي ترسم ملامح التوجهات السياسة والاقتصادية والعسكرية للعالم خلال السنوات الأربع التي تليها.
رغم أن دونالد ترامب نال من كراهية وانتقادات الشعوب ما لم ينله رئيس أميركي قبله، إلا أن الكثير من المحللين السياسيين اعتقدوا أن ترامب عائد إلى سدّة الرئاسة، رغم استطلاعات الرأي العام التي رجحت فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن.
الساعات الأولى بعد إغلاق الصناديق، أظهرت أن الأمور تسير لصالح ترامب، خاصة بعد أن حسم ترامب أصوات فلوريدا التي كثُر الحديث عنها بصفتها «بيضة القبان» في ميزان الانتخابات. لكن العدّ والفرز استمرا بشكل بدا وكأنه بلا نهاية، أو إنه سيستمر حتى فوز بايدن.
ليس المقصود وجود تزوير في النتائج، ولكن لجوء المؤسسة السياسية الأميركية إلى استعمال كل الحيل والثغرات القانونية للاستمرار في العدّ حتى فوز بايدن.
بالنسبة لنا في العالم العربي، فقد كنا نتوقع فوز ترامب كجائزة على ما قدمه “لإسرائيل”، سواء نقل السفارة الأميركية إلى القدس، أو إعلانه المشؤوم حول الجولان السوري المحتل، أو اتفاقيات التطبيع التي وقعتها أكثر من دولة عربية. لكن الأرقام جاءت لتقول إن 77% من اليهود الأميركيين صوتوا لصالح جو بايدن، وأن أكبر داعمي حملة بايدن كانوا من الأثرياء اليهود والمنظمات اليهودية الأميركية. لا بد أن صدمتنا كانت كبيرة، نحن من نروج أن السياسة الأميركية بكل تفاصيلها بيد “إسرائيل”. لكننا كعادتنا أعدنا ترتيب الأمور من وجهة نظرنا، وأطلقنا حكمنا بأن موقف المنظمات اليهودية الأميركية يقع في سياق طباع الخيانة والتآمر المتأصلة في الشخصية الصهيونية.
فهل حقيقة أن اليهود خانوا ترامب، أم إن خسارته تعكس حقائق أخرى، وتقدم لنا درساً جديداً في الرأسمالية؟
كان الدرس الرأسمالي الأخير بعد الانهيار المالي عام 2008 عندما نفضت الرأسمالية غبار الأزمة عن كاهلها وبدأت تعمل لتحويل الأزمة إلى فرصة من خلال تصدير الأزمة إلى الخارج، سواء من خلال صناعة الأزمات في عدة مناطق من العالم؛ كما حدث في منطقتنا من خلال ما يسمى “الربيع العربي” واستعمال القوة الغاشمة في الاستيلاء على ثروات الشعوب، أو من خلال الدخول في بعض التسويات كما حصل مع كوبا؛ أو في الاتفاق النووي مع إيران في محاولة لإدخال المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد والبنك الدوليين، للسيطرة على اقتصادات هذه الدول.
في الوقت نفسه كان التيار الرأسمالي التقليدي القائل بالعودة إلى معادلة الإنتاج والبيع كوسيلة لإعادة تراكم فائض القيمة الرأسمالي، يكسب الأرض أمام تيار الرأسمالية المالية والنيوليبرالية، إذ إنه على وقع هذا التقدم استطاع التيار الأكثر محافظة في اليمين الأبيض إيصال دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة.
تحت غبار التصريحات العنصرية، و”التغريدات” المتناقضة، التي نالت من الحلفاء والأعداء على حد سواء، استطاعت إدارة ترامب تحقيق مجموعة من الإنجازات الاقتصادية على الصعيد الداخلي، خاصة في مجال البطالة وفرص العمل، أما على الصعيد الخارجي فاستطاعت الإدارة نفسها التعامل مع عجز الميزان التجاري الخارجي، بشكل خاص مع الصين، بالكثير من الحزم، إضافة إلى «جباية» مليارات الدولارات من الحلفاء الخليجيين بشكل مباشر أو بصفقات أسلحة خيالية لدعم السيولة النقدية داخل الأسواق الأميركية.
كان يمكن “لقصة النجاح” هذه أن تستمر وتصل بالرئيس ترامب إلى ولاية ثانية لولا الأزمة الاقتصادية العالمية التي صاحبت انتشار وباء كورونا.
تشير المعلومات الاقتصادية إلى أن المصانع الأميركية تعمل بـ50% من طاقتها تقريباً، وهذه النسبة تتدنى لتصل إلى حوالي 35% على المستوى العالمي، إضافة إلى تعطل حركة النقل والتجارة الدولية والسياحة، ما كبّد الاقتصاد العالمي خسائر بتريليونات الدولارات. وبما أن الولايات المتحدة الأميركية تملك أكبر اقتصاد في العالم فكان من الطبيعي أن يكون حجم خسائرها هو الأكبر.

هذه الأزمة شكلت فرصة للتيار النيوليبرالي للعودة إلى المشهد، وتقديم حلوله التي تتمثل بالعودة إلى مبادئ العولمة الاقتصادية النيوليبرالية، وذلك باستعادة السلام الاقتصادي مع الصين، وتوسيع التعاون مع الاقتصادات الصاعدة في الهند والبرازيل وروسيا، والوصول إلى تسويات في الأزمات في أميركا الجنوبية، ومع إيران، تمهيداً لفتح أبواب هذه الدول للمؤسسات المالية الدولية، وأخيراً ترميم العلاقات مع أوروبا التي توترت بشدة بسبب الدور الأميركي في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
لا بد هنا من ملاحظة أن السياسة الأميركية التي كادت تطيح بالاتحاد الأوروبي، وقفت عاجزة أمام دول مثل سورية وإيران وفنزويلا وبوليفيا، لكون اقتصادات هذه الدول استطاعت، رغم الحصار لسنوات، النمو معتمدة على ذاتها رغم الأزمات المتتالية، واستطاعت تجاوز معظم الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية الأميركية بسبب وجود حكومات وطنية مستقلة الإرادة.
لقد أدركت المؤسسة السياسية الاقتصادية الأميركية أن وجود ترامب، وإذا جاز التعبير الترامبية السياسية والاقتصادية، لا يتماشى مع متطلبات المرحلة القادمة. لذلك كان لا بد من أن تأخذ اللعبة الديمقراطية الشكل الذي أخذته بالضبط. فترامب تمت شيطنته ليكون «الرجل السيئ» الذي يحارب الديمقراطية، لكن الديمقراطية “تنتصر وتأتي” بجو بايدن «الرجل الجيد» ليقولوا لنا إن هذا النظام الديمقراطي الليبرالي “قادر” دائماً على تصحيح مساره والوصول إلى النتيجة المطلوبة.
أما الدرس الذي تلقيناه نحن، فهو ضرورة معرفة العدو الحقيقي، أي النظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وأن “إسرائيل” ليست سوى أداة من أدوات هذا النظام، وبالتالي فإن المواجهة العسكرية مع الأدوات (إسرائيل والحركات الإرهابية) لا تعفينا من مواجهة العدو الرأسمالي الحقيقي، وذلك بإعادة تكييف اقتصاداتنا وتوسيع قاعدة الشركاء الاقتصاديين بشكل يضمن المحافظة على الاستقلال الاقتصادي بأي ثمن، والابتعاد عن المؤسسات المالية الدولية التي لا تقل خطورتها عن الجيوش المحتلة.
كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed