آخر تحديث: 2020-12-05 01:01:46

التهريب .. حاجة أم فساد؟ اقتصاديون: حاجة وفساد .. وتأثيراته خطيرة

التصنيفات: أهم الأخبار,السلايدر,تحقيقات

التهريب.. المصطلح الأكثر تداولاً حين يريد تاجر ما، أو بائع، أو حتى صيدلي، أن يمهد لك بأن ما ستدفعه ثمناً لسلعة ما قد يصل إلى نصف راتبك الشهري، وأحياناً كله.
ومصطلح تهريب سابقاً كانت له «هيبة» أكبر، وكان المهرب رجلاً غامضاً لا يعرفه إلا المتعاملون معه وقلة قليلة ربما من أهله أو أصدقائه المقربين، كذلك كان يتم إخفاء البضائع المهربة داخل المحلات بطريقة سرية جداً، أو يتم وضعها في منزل صاحب المحل، ولا تباع إلا للأشخاص الذين يثق بهم، بينما اليوم، يشار بالبنان إلى أن فلاناً من الناس مهرب، وهؤلاء يعيشون في «بحبوحة» لأن أباهم مهرب، وفي المحلات، تعرض المواد المهربة على الرفوف، ولا ينقصها سوى الكتابة تحتها بأنها مواد مهربة، فما الذي حدث؟ وهل فعلاً تغض الجهات المعنية الطرف عن عمليات التهريب التي تجري بسبب حاجتها للكثير من المواد التي تُمنع من استيرادها بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ بداية الحرب على سورية؟ أم إن هذا كلام يروجه المهربون لتغطية أفعالهم, وإن الدولة ما عادت تستطيع قمعهم؟
لم نكن نفضل أن تكون البداية حيث ننتهي بحيث تكون إجاباتها شافية ووافية لكل تساؤلاتنا أو من باب الرد على ما طرحناه من خلال هذه المتابعة ومن باب أنها معني أساس ..ولكن!

الجمارك لم تستجب!
كل ما سبق يأخذنا إلى مكان واحد؛ الجمارك، أي الجهة الأولى المسؤولة عن قمع ومكافحة ظاهرة التهريب عبر دورياتها ومخافرها الموجودة على طول البلاد وعرضها، إذ من الغريب ألا يخلو محل أو بقالية أو مستودع من المهربات بوجود جيش من عناصر الجمارك، ولكيلا نلقي التهم من دون أن نسأل المعنيين، توجهنا إلى الجمارك بتاريخ 27 تشرين الأول، وطرحنا مجموعة من الأسئلة التي وُعدنا بالإجابة عنها في أسرع وقت، لكن الجواب لم يصل إلينا حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر.

الكماليات أكثر بكثير
«تشرين» تابعت الموضوع من أكثر من ناحية، وبدأت بسؤال مراقب تمويني فضّل عدم ذكر اسمه، لتسأله عن المواد المهربة الموجودة في الأسواق، فأكد أنه فيما يخص الغذائيات، فإن المواد المهربة الأساسية والمهمة للناس لا تتجاوز 3%، مثل حليب الأطفال وبعض السلع القليلة جداً، أما البضائع المهربة المتبقية فكلها كماليات مثل: المشروبات الكحولية، والتبغ، ومأكولات الأطفال كالبسكويت و(الشيبسات) وبعض أنواع الشوكولا، إضافة إلى المكياجات وصبغات الشعر.
وينفي المراقب التمويني فرضية السماح بالتهريب أو غض الطرف عنه، لأن من ضمن تقييم المراقب في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك موضوع الضبوط النوعية التي يقوم بكتابتها، وعلى رأسها ضبوط المواد مجهولة المصدر، أي المهربة، إضافة إلى ضبوط المواد منتهية الصلاحية، وهذا يدل على أن الوزارة تشجع على قمع التهريب، وتشجع المراقبين على ملاحقتها وتنظيم الضبوط التي يلي كتابتها مصادرة هذه البضائع وتحويلها إلى مستودعات مديريات التموين، وفي هذا الموضوع – يقول المراقب: يحق للتموين ما يحق للجمارك من ناحية مصادرة البضائع مهما كان حجمها، لذا يسعى التجار بكل الوسائل الممكنة إلى الحؤول دون كتابة الضبط لأنه يحوّل إلى المحكمة وعقوبته شديدة.

1% فقط
أما فيما يخص الأدوية، وهي السلعة الأكثر أهمية، والتي قد يُبرر لمن يغض الطرف عن تهريبها بسبب الحاجة الماسة إليها، تفاجأنا بأن نسبة الأدوية المهربة الضرورية لا تتجاوز 1%, كما أكد الصيدلي مالك سفان الذي قسّم الأدوية المهربة إلى ثلاثة أنواع؛ الأول: تلك التي لا يوجد لها بديل وطني ونسبتها أيضاً لا تتجاوز 1% كبعض الأدوية العصبية، أما النوع الثاني من الأدوية المهربة، فهي التي يوجد لها بديل وطني جيد أو متوسط الجودة، مثل بعض أنواع مسكنات الألم أو مضادات الإسهال وغيرها، أما الثالث فهي الأدوية المهربة التي لا داعي لها أساساً كالمكملات الغذائية، وعن المكملات بالذات، تساءل الصيدلي سفان عن سبب الهدر باستيرادها بشكل نظامي برغم عدم الحاجة لها وعدم تشكيلها أي قيمة دوائية.

حاجة وفساد
نسرين زريق (دكتوراه في الاقتصاد) قالت: إن التهريب قد يصبح حاجة فعلية عندما لا يكون في البلد صناعة وطنية كافية لسد حاجات المواطنين من مختلف السلع كما يحدث في سورية الآن، إضافة إلى عدم وجود تشجيع حقيقي وتسهيلات حقيقية لنهوض الصناعة بعيداً عن الشعارات التي نسمعها والوعود، وبالتأكيد لا ننسى العقوبات التي تمنع الدولة من الاستيراد منذ بداية الأزمة تقريباً.
وضربت د. زريق مثالاً حليب الأطفال الذي لا يوجد في سورية ولا معمل واحد يقوم بتصنيعه، أوحصر استيراده بشركات معينة وتجار معينين، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاره، وبالتالي رفع سعر علبة الحليب الواحدة إلى ما يقارب نصف راتب موظف فئة أولى، وكذلك جرعات مرضى السرطان الممنوع علينا استيرادها بسبب العقوبات، فإنه من الطبيعي في مثل هذه الحالات اللجوء للتهريب لتأمين هذه السلع وهذه الاحتياجات الملحة.

وختمت د. زريق بالتأكيد على أن الفساد الذي يمنع قيام صناعة وطنية حقيقية تكون بديلة عن حل استيراد أشخاص معينين لكل شيء هو أحد أسباب انتشار التهريب وتحوله إلى ما يشبه الحل الإجباري.

تهريب مركّب
الاقتصادي شادي أحمد أوضح بداية أن عمليات التهريب موجودة في كل دول العالم، وتجري حتى في الدول التي بينها وحدة اقتصادية واتحاد جمركي؛ أي التي تكون فيها الأسعار موحدة كالاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن التهريب في سورية لا ينضوي في إطار التهريب العادي، بل يأخذ شكلاً مركباً له عدة أنواع، أولها التهريب الكلاسيكي، كالذي يتم بين سورية ولبنان، وأحياناً بين سورية والعراق والأردن، وهو ناتج عن عدة أسباب، كأن يكون سعر بضائع معينة أرخص في إحدى البلدان، فيتم تهريبها إلى البلد الآخر، أو أن يتم تهريب بضائع مفقودة، أو ما يحصل من عمليات إغراق للأسواق يقوم بها رجال الأعمال عبر التهريب، وهذا التهريب التقليدي معروف بين البلدان منذ أكثر من 40 عاماً.
أما أنواع التهريب الأخرى الموجودة في الحالة السورية في هذا الظرف الاستثنائي، فهي التهريب عبر الحدود السورية التركية بسبب وجود قوات الاحتلال التركي في الشمال، حيث يتم تهريب الكثير من الخيرات السورية عبر الحدود التركية بأرخص الأثمان وبالسرقة والنصب والاحتيال؛ كتهريب النفط والقطن والقمح عن طريق العصابات المسلحة الموجودة في تلك المنطقة، إضافة إلى نموذج تهريب غريب وفريد، وهو التهريب بين مناطق السيادة السورية، ومناطق الانفصاليين شمال سورية.

حاجة السوق
وجواباً عن سؤالنا فيمَ إذا كان يُغض الطرف عن عمليات التهريب أو بعضها؟، قال أحمد: إن الاقتصاديات قد تضطر أحياناً إلى الاستعانة بالتهريب بسبب الضغوطات الكبيرة والحروب الاقتصادية التي تُشن كما يحدث في سورية، وذلك لأن السوق بحاجة لكثير من المواد التي لا تصنع محلياً ولا توجد لها إجازة استيراد بعد أن أصبح مقنناً للمواد الأساسية، لذا يقوم بعض المهربين بتزويد السوق بمعظم المواد، والدليل أنه لم تُفقد أي مادة ضمن السوق السورية التي نجد فيها جميع المواد الموجودة في العالم وإن كانت بأسعار مرتفعة، ومن ضمنها المواد التي لا يُسمح باستيرادها، بل إننا نجد حتى المنتجات الفاخرة، كأفخم أنواع العطورات والألبسة والساعات، وهذه ليست لها إجازات استيراد، أي إنها وصلت إلى السوق عبر التهريب.
سلبيات خطيرة
وعن الآثار السلبية للتهريب، قال أحمد: هناك آثار سلبية كثيرة، منها التأثير السلبي في الصناعات السورية، إذ إن أي مادة مهربة لها مثيل في الصناعات الوطنية، فإن تهريبها إلى الداخل السوري سيؤثر سلباً في هذه الصناعة، كما أن تهريب المواد الزراعية – رغم قلته – يؤثر في الزراعة السورية، وتهريب الأدوية كذلك، إضافة إلى الأثر السلبي الأكبر المتمثل بإفقاد الخزينة العامة موارد مهمة جداً من الرسوم الجمركية، وهي من الموارد الأهم في كل دول العالم بعد الضرائب، إضافة إلى التأثير الكبير على سعر الصرف، لأن المهربين يلجؤون إلى تمويل مهرباتهم (مستورداتهم) من السوق السوداء وليس من المصرف المركزي، لأنهم يدفعون ثمن البضائع التي يتم تهريبها من خارج القطر بالدولار، لذا كلما ازداد نشاط التهريب، يزداد الضغط والطلب على الدولار الأمريكي، وبالتالي عرض الليرة السورية، وهذا الأمر يؤدي إلى اختلال سعر الصرف، وربما من أهم الإجراءات التي تؤدي إلى إيجاد سعر صرف توازني هو ضبط عمليات التهريب.

طباعة

التصنيفات: أهم الأخبار,السلايدر,تحقيقات

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed