آخر تحديث: 2021-01-15 22:59:19

التطرف إشكالية

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

ينقصنا الوعي الجمالي.. تصبح بعض أشكال الفن سبباً في العنف والحروب، أين ذلك الشكل من التأويل الذي عبّر عنه غادامير (فيلسوف ألماني) من خلال الفهم القمين (الخليق والجدير) بالإخراج من حالة الحيرة إلى السكينة والألفة بعيداً عن الاغتراب.. كيف يمكن إذن للفن بعد كل هذا أن يساهم في الكشف عن الحقيقة أو مجرد التدليل عليها.. لماذا بات التشكيل جزءاً من الحرب كما السياسة والاقتصاد.. لماذا يُراد من جمهور يقبع في الهامش الجنوبي أو الهامش الشمالي أن يدرك مغزى “الفن للفن” بينما في هذا “الملهى الدولي” لم يعد هناك شيء محايد لأنّ الفعل السياسي والحساسية العنصرية هيمنت على كل أشكال النشاط الذهني للإنسان؟
هناك تعصّب عارم، حقد لا يُضاهى، وهو موزّع على أشكال التعبيرات لا بشرط الانتماء.. هو سُعار عالم عاجز عن خلق بدائل حقيقية ومقنعة للتعايش والسّلم الأهلي، حيثما نظرت تجد بذور العنف والعنصرية ومستويات من التّطرفات لا يحجبها فعل الاختزال الذي هو نفسه شكل من أشكال العنف اليومي الممارس على الآخر الذي يثير في الناس غريزة التّدمير.. ما يحدث اليوم من أشكال الميز والإساءة وصولاً إلى العنف المادي، هو تفصيل صغير في بنية عالم معقّدة لم تقطع مع أساليب نبذ المختلف.. ومع ذلك لا يوجد إنصات عادل ومتبادل بين الثقافات، سأتجنب الحديث عن أديان إلاّ تسامحاً لأنني أعتبر أنّ الأمر له علاقة بعوامل خفية للتطرف والعنف تكمن في الثقافات والأشكال التي يرسوا عليها التعاقد السوسيو- ثقافي العميق.
لنوسّع من مدارك المقاربة، لنقف على عيّنات وجب النّظر إليها خارج أشكال الفعل الفردي، بل في بنية الثقافات والعقل الجمعي الذي يحمل بذورا قابلة للاشتعال. ثمة كيمياء حارقة ومشتعلة بين الثقافات والأديان والأمزجة والبشر أيّاً كانوا..
عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن ثقافة سطحية كبيرة بجهله لكيمياء الأمزجة واستهتاره بالآخر الذي سيكون حتماً طبقات ومستويات تعبيرية وطبقات اجتماعية وثقافية مختلفة.. الاختزال والحديث عن الآخر بلغة مسطّحة هو نفسه شكل من التّطرّف الذي يتكامل مع أشكاله الأخرى.. كم من إساءة تحدث اليوم بين الثقافات لكن ما يجعلها حارقة هو مصدرها، هو الخطاب المكلل بالسّلطة، سلطة العنف. حين يوجه مسؤول دولة كلاماً مسطّحاً واختزالياً عن أمة تكتنفها الحساسيات والتناقضات الاجتماعية والثقافية فلا يمكن الحديث فيما بعد عن طبيعة ردّات الفعل مهما بدت موجعة، هنا يكون الجميع شركاء في تفجير الأحاسيس العميقة بين الثقافات.
فرنسا بلد متقدّم وله تاريخ من الحضارة لكنه بلد عاش مشكلات تتعلق بالميز وسياسات الإدماج الفاشلة وقوانين تتعلق بتدبير الاختلاف والتدخل في الدين بعد أن أقصته لائكيتها (علمانيتها) عبر تسييسه بوسائل أخرى فضلاً عن ذاكرة الاستعمار وسياسات الاستعمار الجديد، كل هذا واقع أيضاً.. هناك مشكلات لا نجد لها نظيراً حتى في بلدان أوربية أخرى تجاوزت هذا النوع من الخطاب غير المراقب لهذيان التمييز.
جزء كبير من ردود الفعل تأتي من الثقافة الأخرى نتيجة الوضع الاجتماعي والإحساس بالتهميش والتي تجد في الخطاب اللاّمسؤول سبباً كافياً لتفجير الوضع.. بإمكاننا، كما يفعل الكثيرون، الإساءة لثقافة الهنود الحمر لتبرير الإبادات التي تعرضوا لها.. وكذلك للأفارقة.. بل للفرنسيين الذين تعرضوا لغزو النازية.. من السهل رسم صورة كاريكاتيرية عن كل ما لا يروقنا.. لكن في حرب التشكيل نستطيع القيام بما يلزم من مستويات تأويل الصورة.. إننا من خلالها نقف على بنية خطاب أيضاً.. كم من القيم التي تعبر عنها تلك الصور.. حتى مفهوم الحرية لم يعد واضحاً تماماً في هذا الخداع السيمونتيقي لحرب اللغات والدلالات.

يتحمّل العالم كلّه -وطبعاً بمستويات مختلفة- المسؤولية عن انحطاط إرادة التعايش، وتبدأ المشكلة حين نشير إلى الآخر بالإساءة مهما بدا وضعه لأننا نقرأ فعل التعايش من منظور شمولي وبنيوي لا يستبعد التاريخ والجغرافيا السياسية وسمانطيق الميز والتصنيف المدمّر للثقة بوصفه دلالة تستقوي بسلطة الاقتصاد السياسي وعسكرة العلاقة بين الشمال والجنوب، وعليه فإن ما بدا من تطرّفات في العالم الإسلامي بالمعنى الغرائبي ليس فعلاً خالصاً لبنية الثقافة المحلّية بل هو اليوم نتيجة لتداخل عوامل ومصالح وصناعة للعبة الأمم أيضاً.. إنّ العنف مُستعار من بنيات متنوعة، هي ثقافة جزء منها محلّي نقيض للاعتدال الأعمّ ووسائل عنف مستعارة بتقنياتها وأساليبها وخداعها.. العنف في كل مكان يستقي مسوغاته -بما فيها التأويلية المزيفة- من كل الثقافات والأديان من “كو كلوكس كلان” متمسّح إلى “داعش” متأسلم إلى صهيوني متهوّد إلى فاشيست.. وهلم جرا.
اقرأ أسباب العنف في وضعك الطبقي في تصنيفك الثقافي في موقعك من لعبة الأمم، في تاريخك وجغرافيتك.. العنف إشكالية، وكذلك مطلب التعايش السلمي.
إن التطرف قضية عالمية موزعة بالسوية على كل الثقافات لكنها تصبح مشكلة حين تُعالج بخطاب مبسّط وغير مسؤول، وحين نُرسي مفهوماً عن التطرف باعتباره قضية تأتي من هناك وليس لها عناصر عميقة في كل الثقافات. ماذا عن الغرب إن كان في وضعية وشروط العالم الثالث، كيف سيكون منزعه التعايشي؟ ولعله من الخطأ أن ننصت للعوام في موضوع العنف ولا حتى لأولئك العنصريين الذين يجدون الطريق السهل في اختزال الصورة، بل هي قضية الحكماء في كل الثقافات، فهناك شرائح واسعة رافضة لهذا النوع من الخطاب سواء محلّياً أو خارجياً، هناك وجب التقاط المعنى الكوني للسلام، في مقولات غير متسرعة، في خطاب أعمق ومستوعب لبنية وطبيعة التفكير البشري.. المشكلة تكمن في إرادة السلام لا في الانتماء الذي كالطبيعة له مساحة نحن من يخلع عليها الصورة النهائية.. العنف عارض محتمل على كل الثقافات والأديان، لكن ما الذي نريده من أي ثقافة، من أي دين ومن أيّ لا دين أيضاً.
لا زالت المعالجة تقليدية وقديمة للعنف والسلام، لا زلنا نمنح الأفكار المسؤولية الكاملة بدل المزاج والمصلحة وإرادة الاعتقاد..لا زلنا نستبعد الشروط السوسيولوجية للشخصية العنفية والسيمونطيك الذي تحمله لغة التعبير والخطاب والتناقضات العالمية وقضايا التهميش والتوزيع والعدالة والتحكم بالأذهان والجماعات والثروات والثقافات.. إنّ قضية العنف والتطرف والسلام والتعايش وحوار الأديان والثقافات والحضارات هي قضية منهجية ولا زال الناس يعالجونها بمنهجية متطرّفة ومتقادمة.
لازلنا نكرر النقاش في ذات الأسباب، في كل عصف عنيف بين الثقافات نتساءل عمن هو المسؤول؟ وكلما غلب الحديث سياسياً عن المسؤول كان ذلك سبباً في تفجير عنف مضاعف. ففي العلاقات الثقافية لا نتحدث عن الحقيقة ولا ننشغل بأحكام القيمة، الحقيقة الوحيدة في مجال حوار الثقافات هي تحقيق تعايش عملاني، هي القدرة على أن يتسع دماغك وليس فقط اجتماعك للقبول بإمكانية أخرى من العقل والفكر والثقافة يمثلها الآخر. المشكلة أيضاً لها علاقة بالاستهتار وأحياناً يصبح المسؤول هو اللاّمسؤول، وأقصد المستهتر بقيم الآخر وحساسيته.
تبدو الحاجة إلى التأويل ضرورة.. تأويل الحدث وتأويل الرموز واللغة والخطاب، فتكرار التفسيرات الكلاسيكية للعلاقة بين الأنا والآخر باتت عقيمة، واختزال المسؤولية في تفاصيل هذه المعركة التي يختبئ خلفها عنوان أكبر له أصل في السلع والخدمات والهندسة الطبقية لمجتمع المعرفة والاستهلاك ولعبة الأمم التي لا تفعّل كل تحليلاتنا إلا لتجاهلها من أجل جيل جديد من الاستهلاك لكل ما هو سطحي واختزالي وتكراري.
كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed