آخر تحديث: 2021-01-15 23:03:22

السموعي وكابلان.. حروب الذاكرة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

في إطار حوار مع صديق لي من سورية أخبرني أنه درس المرحلة الابتدائية في مدرسة السموعي في منطقة ركن الدين في دمشق.
للوهلة الأولى اعتقدت أن الاسم نسبة إلى بلدة السموع الفلسطينية، الواقعة في منطقة الخليل، والتي كانت مسرحاً لمعركة بين الجيش الأردني وعصابات الكيان الصهيوني عام 1966 واستطاع خلالها لواء حطين من الجيش العربي الأردني، بقيادة العقيد بهجت المحيسن، إلحاق هزيمة مهمة بقوات العدو على الرغم من فارق العدد والإمكانات.
بعد أن رويت هذه القصة ببعض تفاصيلها لصديقي، أخبرني أن اسم مدرسته لا علاقة له ببلدة السموع، بل مرتبط بقرية صغيرة في قضاء صفد اسمها السموعي. تعرضت القرية للحصار بعد سقوط مدينة صفد في أيار 1948، ورغم التهجير الجزئي، إلا أن المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس يقول إن أهلها دافعوا عنها بضراوة عندما دخلتها العصابات الصهيونية في تشرين الأول 1948.
جرى هذا الحديث ونحن نتابع على وسائل الإعلام معركة الأسير ماهر الأخرس مع سجانيه، لا من أجل إطلاق سراحه فقط ، ولكن من أجل وطنه ورفاقه الذين يقبعون في السجون بموجب “قانون الاعتقال الإداري” الاستعماري. ولأن تحفيز الذاكرة يستدعي البحث، شرعت في التعرف على “مركز كابلان” الطبي، الذي يشكّل ساحة معركة الأسير الأخرس.
يقع “مركز كابلان” الطبي في مستوطنة “رحفوت” الواقعة جنوب شرق تل أبيب، ويرتبط اسمه كثيراً بفضائح ضد الأسرى والمواطنين العرب. آخر هذه الفضائح كان قيام صحفية في «القناة 13» الإسرائيلية بالتنكر بزي امرأة متدينة يهودية حامل، وتجولها على المستشفيات طالبة وضعها في غرفة خاصة بالنساء اليهوديات بعد الولادة، وعدم السماح للنساء العرب مشاركتها الغرفة. وقد وافقت عدة مستشفيات على طلبها ومن بينها مركز كابلان” الطبي.
أما مستوطنة “رحفوت” التي يبلغ عدد مستوطنيها حسب آخر الإحصائيات 140 ألف شخص، فهي بالأصل مستوطنة أقيمت عام 1890 جنوب شرق يافا، بعد الاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي إقطاعية دوران العثمانية. في السنة نفسها كان برتقال يافا الشموطي قد عرف طريقه إلى مائدة ملكة بريطانيا، فقد ازدهرت زراعة البرتقال وتضاعفت المساحة المزروعة به من 30 ألف دونم عام 1890 إلى 280 ألف دونم عام 1935، وازداد الطلب عليه في جميع أنحاء أوروبا. لذلك نشطت زراعة البرتقال في مستوطنة “رحفوت” وأصبحت خلال عشرين عاماً تنتج نصف ما تصدره فلسطين من الحمضيات. ترافق هذا التوسع بتغيير الاسم المميز لبرتقال فلسطين من «البرتقال الشموطي» إلى «برتقال يافا Jaffa Orange».
بين قرية السموعي التي أزالها العدو عن الخريطة ومستوطنة “رحفوت” 185 كلم مليئة بالقرى والبلدات الفلسطينية التي اختفت من الوجود، وبين قرية السموعي وماهر الأخرس 72 سنة مليئة بحكايا الحروب والخيانات والبطولة. وفي كل مرة يعتقد فيها العدو وعملاؤه أنهم “تمكنوا من إزالة حكاية فلسطينية من الذاكرة” ينبثق من رماد اليأس طائر فينيق يعيد نسج الحكاية من أولها. وكما أعادت السموعي إلى الذاكرة قصة “رحفوت” وبرتقال فلسطين، يعيد ماهر الأخرس أمجاد الحركة الفلسطينية الأسيرة.
كان عبد القادر أبو الفحم أول شهيد للحركة الأسيرة في إضراب سجن عسقلان سنة 1970، وراسم حلاوة وعلي الجعفري شهيدي إضراب سجن نفحة 1980، ومحمود فريتخ شهيد إضراب سجن الجنيد 1984، والشهيد حسن نمر عبيدات في إضراب سجن عسقلان 1992. وعاد ليستكمل انبعاثه مع سامر العيساوي، وخضر عدنان، وماهر الأخرس.
معركة ماهر الأخرس اليوم ليست مع سجانيه فقط ، ولكن مع أولئك المهرولين إلى أحضان التطبيع. من عمموا ثقافة اليأس والعجز ليصلوا معها إلى أن الاستسلام “هو الحل الوحيد”، يصفعهم ماهر الأخرس بقامته المنتصبة رغم هزالها وصوته الضعيف بأن المقاومة هي الحل.
يصرخ ماهر الأخرس ليقول إن التاريخ لا يصنعه الخانعون ولا الخائنون، بل يُصنع بإرادة الصامدين والمقاومين. وأن المقاومة هي الحل الأوحد والوحيد الذي يصل بنا ليس إلى تحرير الأسرى فحسب، ولكن إلى تحرير الأرض.. كل الأرض من بحرها إلى نهرها.

لأن القصة واحدة، من دمشق إلى القدس، ومن حلب إلى يافا، ومن تدمر إلى السموعي، كان من الطبيعي أن يخرج ماهر الأخرس في أول فرصة ليوجه التحية إلى المقاومة ممثلة بالجيش العربي السوري والمقاومة الوطنية اللبنانية، والتاريخ المقاوم للتنظيمات الفلسطينية. وأن يوجه في الوقت نفسه إصبع الاتهام لمن يتآمر على كل مقاوم في كل مكان من وطننا.

محمد الشحادة, [٠٤.١١.٢٠ ١٣:٥٠]
إنها حروب الذاكرة التي لا تموت، تُبقي شعلة الغضب متقدة في النفوس، لتتحول إلى نار ونور يفتحان طريق التحرير وينيران المستقبل، فيختلط دم يحيى الشغري بدم باسل الأعرج، ويزهر الوطن دولة الوحدة والحرية.
كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed