آخر تحديث: 2021-01-15 23:07:01
خبر عاجل
وزارة الصحة: شفاء ٧٦ حالة من الإصابات المسجلة بكورونا ليرتفع العدد الإجمالي إلى ٦٤٠٥

عشرون صفحة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

أعظم يدٍ في التاريخ هي تلك التي حوّلت الفكرة والشُّعور إلى حروف وكلمة مكتوبة!
كانت اللغةُ ضرورةً ليقترب الكائن البشريُّ من الآخر، ثمّ يصبح إنساناً يعبِّر عن مشاعره بما فيها من ألمٍ وفرحٍ وأملٍ وخيبةٍ وشوقٍ وقلقٍ وأمانٍ، لكنّ تحوُّل هذه اللّغة من منطوقٍ إلى مكتوب هي المعجزة المضافة إلى وجود الإنسان، ففي الخيال “الطُّفوليّ”: – ماذا لو لم يكُن التدوين موجوداً؟ أما كان التّاريخ البشري الشّفويّ سيتبدّد كما تبدّدت ملياراتُ ذرّات غبار الطّلع من الطّبيعة، التي لا تعرف الكلام ولا الآلام ولا البوح واسترجاع الذّكريات؟ أما كانت التّجارب الصّعبة انطوت كما تنطوي الأمواج على صخرٍ ورملٍ، كما تفعل وستفعل ملايين السّنين؟ ما كنّا سنعرف شيئاً عن أسلافنا في التّاريخ الإنسانيّ لولا هذا التّدوين باختلاف لغاته، التي مات بعضُها وواصل بعضُها الحياة واختلف الكثير منها بالمفردات والصّياغات والمدلولات، لكنه عاد إلى التّلاقي عبر التّرجمة!
كلُّ هذه التّداعيات انسابت مع السّطر الأوّل من رواية ” وردَّدَت الجبال الصّدى” التي دخلَت من حكاية لا تعدو عشرين صفحةً، تبدو أنّها للأطفال لغرائبيّةِ الحدث وشطحات وصف المكان وأصحابه، بل هي، حتّى بالشّكل تبدو كذلك! أبٌ يروي لطفله وطفلته حكايةً وهو يحثُّهما على النوم! وفي الحكاية أبٌ فقير، شقيّ، معيل، ينحت الصخر، بمعنى الكلمة، لينتزع رغيفَ الخبز وحفنةَ الماء لعائلته! لكنّه سعيدٌ في أغوار نفسه لأنه في نعيمِ حبٍّ عائلي لا يعكّره شيء! أما السّعادة فليست إلا وَهْماً يسيطر على الإنسان في لحظة جمود الأحداث، فكلُّ شيء يضطرب ويهتزّ ويتقوّض حين ينسحب تفصيلٌ ضئيل من هندسة الزّمن! سيأتي عملاقٌ فظٌّ ليأخذ طفلاً قرباناً من كلّ بيت من بيوت القرية الفقيرة العطشى، وحين يقرع باب الأب “أيّوب” يعيش ليلةً ليلاء لاختيار أحد أبنائه، ثم يلعب اللّعبةَ المعتادة التي يتخيّل أنها تخفف حيرته وعذاب ضميره، لعبةَ “القُرعة”! يكتب أسماء أولاده على حصى ويمدُّ يدَه كأنه يدسُّها في الجِمار ليكون “قيس” أصغر وأحَبُّ الأبناء إلى قلبه، هو القربان!
ستمضي السّنوات و”بابا أيّوب” يتقلّى على نار المشاعر المضنية: التخلّي، والجُبْن، وصرخة الطّفل وهو يدقُّ الباب المغلق في عتَمة الفجر يستنجد بأبيه رغم أنه لا يعرف شيئاً عن مصيره البائس، ورنينُ الجرس الصّغير الذي علّقه في عنق “قيس” حين كان يعاني من مرض “السّرنمة” وحين تطفح هذه المشاعر يفقد تعلقه بالحياة كلِّها بما فيها واجبُه تجاه عائلته، ويغادر بيته ليواجه سارقَ ابنه، قاتلاً أو مقتولاً!
في منعطف لقاء العملاق والفلاح، في قصرٍ مشادٍ على قمة شاهقة، الطّريقُ إليه يدمي الأقدام ويُنحِل البدن، يكون حوارٌ بين قويّ وضعيف، مستبدٍّ ومحكوم، منتصرٍ ومهزوم، فإذ بالأدوار تتبدّل، ظاهريّاً، ويرضى العملاق بكشف مصير الطّفل (لأنه يشعر بمطلق القوة والثقة بالنتائج). يكون “قيس” بين أقرانه في جنّات عَدْن، وراء حاجزٍ زجاجيٍّ سميك، يعزله عن صرخات أبيه وتلويحات يديه، ويخبره العملاق أنه صار مزوَّداً بالمعارف والحكمة، وإذا خرج ستُمسحُ ذاكرتُه ويعود ابن القرية الفقيرة البائسة!
ليست مجردَ حكاية من تراث شرقيّ، أعاد الكاتب الأفغانيّ “خالد حسيني” صياغتها، بل وصفٌ فذٌّ لرحلة الإنسان وشقائه مع الاختبارات العسيرة التي يواجهها ويوازن، أمامها، بين الخسائر التي يتمنى منها الأقلَّ، وهو في كلّ حالٍ، يمخر العباب ويعيش رحلته التراجيديّة في هذا الوجود المعقّد!

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed