آخر تحديث: 2020-12-05 01:01:46

“رَجُلَان” وفيروس!

التصنيفات: دولي,سياسة

لا يزال العالم منشغلاً بأمرين باتا “أدسم الأطباق على موائد الإعلام” عالمياً، هما الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي باتت قريبة جداً.. وجائحة كورونا، ظاهرياً لا رابط بين الأمرين بشكل مباشر، إنما من حيث النتائج ثمة قاسم مشترك جوهري بينهما، وهو أن كورونا فيروس قاتل بشكل بالغ الخطورة حتى سمّي جائحة عالمية لكثرة ضحاياه، والولايات المتحدة كيان قاتل بشكل بالغ الخطورة لكثرة ضحاياها، ولكن هل من سخريات القدر هذا التشابه بين “دولة عظمى” وفيروس مجهري ينال حتى من هذه “الدولة العظمى” ذاتها!
إذاً في الحالتين، الدافع الأساسي لانشغال الناس هو حفظ البقاء، كما يسميه علم النفس، فالناس هنا أمام تهديد وجودي متأتٍ من هذه “الدولة العظمى” وذاك الفيروس المجهري، فكيف لا ينشغلون؟ ولا مجال أبداً لفرضية المبالغة، إذ إن مقارنة بسيطة وسريعة بين عدد ضحايا كورونا وعدد ضحايا الولايات المتحدة عبر تاريخها الدموي كافية لإسقاط “فرضية المبالغة” لأن المقارنة تفضي حتماً إلى أن عدد ضحايا الولايات المتحدة أكبر بكثير، مع ضرورة الإشارة إلى أن كورونا “سيكف” عن القتل الغريزي يوماً ما، إذ لا بد من أن تتوصل البشرية بالمحصلة إلى لقاح مضاد له كما حصل مع غيره، لكن هل يمكن أن تكف الولايات المتحدة يوماً ما عن القتل العمد بكل أشكاله وأكثرها وحشية.. القتل المباشر وغير المباشر .. بالأصالة والوكالة؟ والطامة الكبرى أنه لا مجال هنا “للأمل” بلقاح مضاد!
في حالة كورونا لا مجال البتة للمفاضلة، إذ ليس هناك خيارات متعددة يمكن المفاضلة بينها، فليس هناك “فيروس أ” و”فيروس ب” و”فيروس ج” مثلاً، أما في الحالة الأمريكية، فهناك من يحاول المفاضلة بين المتنافسين الاثنين في السباق إلى البيت الأبيض، لعل أمريكا تكون أقل شروراً في ظل رئاسة أحدهما، أي إن خيارات المفاضلة محصورة بين “أهون الشرّين”، ليس إلا، فدول العالم خبرت سياسات دونالد ترامب خلال سنوات رئاسته الماضية، كما كانت قد خبرت سياسات منافسه جو بايدن عندما كان نائباً للرئيس السابق باراك أوباما، وهذا يفضي إلى أن مقولة “أهون الشرّين” تبدو سراباً، وأكثر ما يجعلها كذلك أن النسبة العظمى من السياسات الأمريكية تصنعها “الدولة العميقة” وليس الرئيس، حتى وإن حاول الإيحاء من خلال تصرفاته بغير ذلك، ناهيك عن التأثير الجوهري لـ”اللّوبي” الصهيوني على مجمل السياسات الأمريكية ولاسيما الخارجية منها.
ولكن، دعونا نتساءل: لماذا كل هذا الضجيج الانتخابي في الداخل الأمريكي تحديداً.. مناظرات.. استطلاعات رأي ترجح كفة هذا المرشح أو ذاك.. مهاترات تبادل نعوت وحتى شتائم.. أبواق الإعلام الأمريكي خاصة والغربي عموماً تصم الآذان.. ولماذا لا يحدث ذلك إزاء الانتخابات في باقي دول العالم؟ هل الجواب في مسوغات الانشغال العالمي المحمول على حيثيات المفاضلة أو المراهنة فقط؟ أم ثمة عامل آخر لطالما عملت الولايات المتحدة على ترسيخه وتوظيفه وهو أنها من خلال كل هذا الضجيج تريد أن تقول للعالم: “انظروا.. إلى هذا الحد نحن ديمقراطيون..”!
لكل ذلك وغيره الكثير، لن يتغير شيء في السياسات الأمريكية “بعجرها وبجرها” سواء فاز ترامب أم بايدن، فأمريكا هي أمريكا مع هذا أو ذاك كما كنت مع الرؤساء السابقين، وتاريخها المشين يشهد بذلك، ومن ثم لا المفاضلون يمكنهم أن يأملوا شيئاً ولا المراهنون على اختلاف أسبابهم، ولكن لا بأس بـ”أهون الشرين”!

طباعة

التصنيفات: دولي,سياسة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed