آخر تحديث: 2020-11-30 22:36:53

رحيل علاّمة اللغة العربية وأحد حصونها د.عبد الإله نبهان

التصنيفات: ثقافة وفن

كأن قدر مدينة حمص أن يحصد الموت فيها ما استطاع من مبدعيها هذا العام، فلا يكاد يمر شهر من دون أن نودّع فيها مبدعاً، وآخر الراحلين مؤخراً د. عبد الإله نبهان، الذي عرفه جمهور الأنشطة الثقافية منذ ثمانينيات القرن الماضي محاضراً في مسائل عدة متنوعة، ولم تختصر على اختصاصه في النحو وتحقيق كتب التراث. وقد يعتقد بعض الناس أن الذين يعملون في هذين المجالين هم أشخاص جامدون وجادون كل الوقت، لكن عِشرة هؤلاء تؤكد عكس ذلك، وفي مقدمتهم الراحل د. نبهان، فكان يستظرف الكلام غير الجاد الذي يروي طرفة، أو يروي لك إحداها أحياناً، والأهم تفاعله معها. وكانت معظم لقاءاتي مع الراحل مصادفة، لكن أكثرها في عيادة الشاعر الراحل د. شاكر مطلق الذي رحل عنا منذ شهور عدة فقط. كنا ذات مرة قبل سنوات الحرب، ثلاثتنا فقط من دون وجود ممرضة د. شاكر، وفجأة طغى على مسامعنا من خارج العيادة صوت الفنان صباح فخري يغني أغنية تحرّض في النفس الرقص، وكنا بالمصادفة واقفين فقال لي: تعال نرقص فأدّينا حركتين، ثم قال: اجلس فإن دخل علينا أحد فلن يصدّق أن ما نشربه شاياً فقط، فضحكنا وقال الراحل د. شاكر جملة شهيرة له: «بس والله جميل» يمتدح رقصتنا فرفعنا له كأس «شاينا» محبةً. ولكنني أعترف بأنني كنت أتهيب التواصل معه في بداية عملي الصحفي، وأنا أرى الأدباء الذين يكبرونني عمراً وقدراً كيف يهابونه، ولم أكن أجرؤ على طلب نسخة من محاضرته، إلى أن صارت بيننا مودة وسلام، فطلبتها منه ذات محاضرة ليفاجئني بأنه قدم لي نسخة معدّة سلفاً لي، ثم صار يخصّني بنسخة عقب كل محاضرة يلقيها، من دون أن أطلبها منه، وكان من بين القلّة المتعاونين من المحاضرين في هذه المسألة، وذلك قبل أن تنتشر آلات تصوير «الفوتوكوبي» في الهيئات الثقافية التي ساعدتنا فيما بعد.
بطاقة إصدارات
درس الراحل على أيدي كبار الأساتذة منذ المرحلة الثانوية في مجال اللغة العربية وكذلك في جامعة دمشق ثم صار صديقاً لهم، وكان من بين الذين أسسوا كلية الآداب- قسم اللغة العربية في جامعة البعث بحمص، صدر له الكتب التالية في مجالي النحو والتحقيق: «ابن يعيش النحوي، بحوث في اللغة والنحو والبلاغة، الفهارس الشاملة للأشباه لكتاب الأشباه والنظائر في النحو، الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (تحقيق) ج1، اللباب في علل البناء والإعراب (تحقيق)، الآثار الكاملة للشهيد عبد الحميد الزهراوي، الآثار الكاملة للشهيد رفيق رزق سلوم، مختارات من معجم البلدان (4 أجزاء)، مختارات من نشوار المحاضرة (4 أجزاء)، مختارات من الفرج بعد الشدة (جزءان)، غوامض الصحاح للصفدي، هبة الأيام للبديعي (تحقيق)، بهجة العابدين (تحقيق)، الملاحن لابن دريد (تحقيق)، تراث الحلاّج.. أخباره، ديوانه، طواسينه (تحقيق مشترك)، شرح منظومة آداب الأكل والشرب والضيافة للأفقهسي شهاب الدين أحمد بن عماد، علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب. وقد شارك الراحل في ندوات فكرية ونقدية كثيرة في حمص أقامتها هيئات ثقافية، كما شارك في أنشطة ثقافية وندوات في أكثر من محافظة ودولة عربية.
طيبُ الأصدقاء
كتب الشاعر والباحث مظهر الحجي: آخر الراحلين اليوم صديقي وخليلي ومستودع أسراري على مدى نصف قرن ونيّف، الرجل الإنسان، علاّمة اللغة العربية وفارس منابرها، الأديب المربي، والباحث المحقّق، والعالم الثّبت، الدكتور عبد الإله نبهان، لقد فارقتنا يا صديقي جسداً ولكنك حاضر معنا بمكتبتك العامرة، بمؤلفاتك وبحوثك الجادة، بطلاّب الدراسات العليا وحملة الدكتوراه الذين روّيتهم فيض علمك وعميق معارفك، الرجل الرجل، النبيل النبيل، أخي وخليلي أبو مصعب إلى الأزرق العالي، إلى رحاب الله.
وكتب المسرحي والسيناريست نور الدين الهاشمي: جمعتنا صداقة عميقة امتدت أكثر من نصف قرن. التقينا في محافل وأماكن شتى يصغي إلى رفاقه حين يتكلمون بود وتواضع وابتسامة ذكية، وحين يتحدث يصغي إليه الجميع.. فأنت أمام موسوعة علمية بل قل مكتبة عامرة بكل ما هو طيب ومثمر ومفيد. لقد كان حقاً فارساً من فرسان اللغة العربية وحصناً من حصونها في زمن الخرائب والهزائم والاغتراب. وداعاً أبا مصعب.. يا شجرة باسقة بكل ما هو مثمر وطيب وبديع.. ستبقى حياً في قلوبنا وأرواحنا.. وهل الأصدقاء إلا قطعة من الروح والقلب.
وكتب الشاعر عبد القادر الحصني:
سـيَفجَأُ طـاويـاتِ الدهـرِ أنّـا / تركنـا بـعـدنـا مـا ليس يُـطـوى.
من العلم الغزير، ومن مزايـا / إذا نُشرَ الكتابُ فسوف تُروى
العالِم العَلَم الدكتور عبد الإله نبهان وداعاً.. وداعاً يا صديقي.

وكتب تلميذه وصديقه د.حسان فلاح أوغلي الذي طالما حدّثني، خلال اتصالات عدة، عن نبالة ومحبة الراحل: قد خصّني الدكتور عبد الإله برعاية ليس لها مثيل، فكنت التلميذ والأخ والصديق الصغير، ومعه أمضيت أجمل سنوات حياتي.. لست أنا من يشهد بعلم الدكتور عبد الإله وطول باعه في ميادين اللغة والأدب والفكر والفلسفة، ففي سيرته ومؤلفاته وشهادات علماء العربية ما يغني عن ذلك، غير أنني قادر على الحديث عن أصالة هذا الرجل ونبله وكرمه وشهامته ونقاء سريرته، وهي أمور لمستها، وما أزال، في شخصه الكريم. وكتب الشاعر والناقد د. سعد الدين كليب: نمْ قرير الروح أيها العالِم البهي الجليل. نمْ ودعْنا نقلّب الأوراق والذكريات والحنين. لروحك الرحمة والطمأنينة يا دكتور، يا أبا مصعب، يا عبد الإله نبهان.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed