آخر تحديث: 2021-01-15 22:13:03
خبر عاجل
وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون يوافق على نشر 25 ألف جندي في البلاد لتأمين حفل تنصيب بايدن
خبر عاجل
مصادر في الكونغرس الامريكي: إخطار أعضاء مجلسي النواب والشيوخ بتفادي الحضور للكابيتول حتى انتهاء تنصيب بايدن

النزاع العالمي حول العقل

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

لقد بات واضحاً لديّ أن حدس الكلّي أضمن من التّيه في بحر الجزئي بلا مجداف، إنها حالة احتواء للوجود تجعل الانحدار لفهم الجزئي مجرد تفصيل صغير في مغامرة المعرفة، وهذا الشرود في الكلّي هو من منح الاسميّة كل هذا العنفوان.
وإذا كان نظام السببية يفترض منذ العصر اليوناني أربعة أشكال منها: العلّة الغائية، فهذه وعلى الرغم من أنّها تأتي في هذا الترتيب كآخر أشكال العلل إلاّ أنها تقع في البدء لأنّها تعكس التصميم الأسبق لما سيكون عليه الموضوع قبل وجوده. إنّها الصياغة المسبقة للكلّي قبل وجود الجزئي نفسه.
إنّ فكرة الإنسان سابقة على مصداقه من زيد وعمرو، لقد وُجد زيد وعمرو لتحقيق فكرة الإنسان، لا انعتاق من الجزئي إلاّ بحدس الكلّي، إذاً هنا حقّاً سنجدنا على نقيض ممن أساء مقاربة منازل الكلّي في تاريخ الأفكار وكأنّ مصائب العقل ومعايب الفكر تكمن هنا وليس في هذا الشرود في متاهة الجزئي الذي أنتج عقلاً لا زال عاجزاً عن تحقيق المُصالحة التّاريخية مع الحدس.
إن علاقة الفكر بالأخلاق هي من يضمن مصير المنطق نفسه حيث حاجة العقل التي تؤسس لمشروعيته هي الرغبة في إحراز الصّدق. غير أن المعضلة لا زالت تتعلّق بتصور الواقع وإمكان الكشف عن «النّومينا» المستحيلة. نحن أبعد من أن نحرز تلك الكاشفية لأنّنا لا زلنا نتعثّر في علاقة المنطق بالأخلاق لاسيما حين تصبح عملية الانزياح والخروج من مقتضيات الاعتراف بنتائج الحوار التي سيعتبره أمثال غادمير جزءاً من ثلاثية تتقوم في شكل جدل “هيرمينوتيكي”، أي التفسير والفهم والحوار، أقول: ستصبح القضية أخلاقية مضاعفة حينما نصبح أمام جيل من المُلاوغة يجعل اللغة في مواجهة الفهم والاعتراف والحقيقة، ويصبح هذا الوضع جماعياً وليس فردياً ونادراً، أي حين تصبح المغالطة نسقاً اجتماعياً لعقل واقع تحت ضغط وتأثير سوسيوثقافي يعزز تجاهل مسؤولية الاعتراف.
لن يكون الفكر العربي في الوضع الطبيعي لكي يرفع ملفاً مطلبياً ضدّ التقليد وغياب الإبداع ما لم يقف على الخداع نفسه، والجمود الذي عاناه الفكر الغربي الحديث -الذي سار على مستوى آخر من التقليد- يجعلنا عند الوقوع في قضاياه داخل دوامة لا ندري ما نقدم فيها وما نؤخّر.
يكتب رورتي في وقت مبكر عن كيفية الانتصار على آفة التقليد في «التغلب على التقليد.. هيدغر ديوي نموذجاً» ولكنه أيضاً يضعنا أمام مخارج حقيقية ومن دون مُلاوغات مفرغة من المعنى، ذلك لأنّ مقتضى البراغماتية القديمة أو الجديدة هو إنتاج ما هو واضح وفي الوقت نفسه ما هو عملاني.
إننا حقاً منحنا اللغة أبعد مما تتيحه صلاحياتها التمثيلية، فعند هذا الرهط البراغماتي ليس هنا ما يعزز القول بتمثيليتها المطلقة بقدر ما نحن أمام فعل تبادل العلامات، فالمعرفة في تقدير العملانيين هي الاستعمال وبالتالي هي القوة، إنّ اللغة إن تمّ النظر إليها على سبيل الاستقلال كوسيط محايد يؤدي دور التمثيل وواسطة بين الفكرة والواقع فسندخل في ضرب من التّيه لأنّ اللغة ليست أمراً مستقلاً عن فعل الإنسان وآلية لتحقيق أغراض تتجاوز فعل التمثيل. دعني أقول إنّ الثقوب التي تنتج عن التنكّر لحدسنا الدّافق تجعل جملنا وأفكارنا غير مقنعة، فالحدس نفسه يفضح الأغراض الخفية للّغة، والصّمت مقلق لهذا التقليد الخطير الذي انتهت إليه اللغة أنماط الاستعمال التاريخية.
إن كان الحوار هو السبيل المتبقّي للإقناع فهو عملية مستمرة لا انقطاع فيها إلاّ على سبيل التّوافق، فالحوار يقوم على ضرب من المُعاقلة التي تفضي إلى التعاقل أي التوافق على الشكل الزمني للمعقول، عملية غير نهائية ما دام العقل المُجَزْأن لا يقدم فهماً كلّياً خالداً، ولعل المفارقة هنا حين نتحدّث بلغة الكلّي والمتعالي في شؤون محكومة بالعقل المُجَزْأن وهو ما يُحدث شكلاً من التقليد الديكتاتوري للمعرفة الجزئية ويجعل فعل التعاقل مستحيلاً.
لا يوجد في هذا العالم المنهمك في تجزيئيته عقل خالد ولا فكرة نهائية ولا منتهى للتاريخ، فهو شكل من العقل التاريخي لا زال لم يتصالح مع نفسه بل لا زال يخادع حامله كما يخادع حامله عقله بأنّه ضامن في إنتاج التمثيل الخلاق للواقع وتحقيق التوافق بين الصّدق والمصداق، فالعقل المجزأن يمكن أن يكون تعويضاً تاريخياً للفعل العملاني إذا ما تفادى تقديم نفسه لنفسه على أنّه عقل كلّي ومنتج للحكمة المتعالية.

ما يعيشه عالم الفكر اليوم هو ضرب من “الحرب الأهلية” وغياب دستور توافقي ينظّم الفعل التعاقلي، بل هناك رغبة في السطو على عالم الحوار والتواصل واستنزافه في سياق مضطرب حيال مفهوم العقل والمعقول والعاقل، أزمة مفاهيم وإدارتها، وهذا ما يتيح نوعاً من الفوضى حيث يصعب اليوم الحسم في أي شيء بحكم أننا نحتاج مرحلة انتقالية كما ذكرنا مراراً، وأمام هذا الوضع سيتراقص الفكر من الأقصى إلى الأقصى قبل أن يستقر على شكل تعاقلي جديد، وهو ما سيُدشن عهداً جديداً من الوعي التّاريخي الجديد.
لا ندري كم يحتاج الأمر من فعل الحروب والإبادات لكي يستقر هذا الشكل التعاقلي التاريخي الجديد، أي شكل للقوّة التي يحتاجها هذا المستوى من المعرفة في عالم الغد، ما المفاهيم التي ستكشف عن اضمحلالها وبأنها لا تعدوا أن تكون مفاهيم فاقدة لقوة الدفع هي الأخرى لكنها في مرحلتنا الانتقالية تسير بواسطة الوزن الميت راسمة بذلك طريقاً سيّاراً للفكر الحديث قبل حدوث الرّجة الكونية التي من شأنها أن تحقّق الانقلاب الذّهني الجديد.
تجليات معارك العقل ما بين تيار المحافظة على العقل وآخره لها تجليات في السياسة والاجتماع والإنتاج وحتى المتخيّل، و”الحرب الأهلية” الدائرة رحاها حول مخرجات العقل المجزأن لن تتوقف حتى حدود الانقلاب الذّهني، هناك في كل منعطف تاريخي للعقل رشداً جزئياً ترسمه النهايات الظرفية تأسيساً لبدايات ظرفية أخرى، وها قد بات رشد الحداثة الكانطي موضع نقاش وقلق برسم الثورات الفينومينولوجية والأنطولوجية والهيرمينوتيكية، فكلما اشتدت البنية استدعت فريق التفكيك، لكل عصر مفكّكوه، وهم يقومون بدور فكّ الحصار عن البنيات المستغلقة.
ربما وبدافع العقل المجزأن سنقرأ الوضع في سياق نزاع سياسي دولي كلما استغرقتنا أحداثه، لكن المسألة تتعلق بنزاع حول العقل والمعقول لتبدو تلك التفاصيل الأخرى مجرد ساحة لهذا النزاع الذي تحجبه السياسة، لكنه يبقى معضلة كامنة في صلب المشكلة الإنسانية على هذا الكوكب الجريح وفي سياق تاريخي مُتغيّر باستمرار.
كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed