آخر تحديث: 2021-01-21 18:59:23

رقيّ حجازيّ قديم

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

يرسم أبو الفرج الأصفهاني في موسوعته «الأغاني» صورة شديدة التألّق للحجاز خلال مجريات القرن الهجري الأوّل، بما يجعلنا مذهولين بمستوى التحضّر والرقي اللذين كانا السمة الأساس لما يعيشه ويمارسه أهل الحجاز، ومذهولين أيضاً بالوسائل التي كانت معتمدة لتحسين حياة الإنسان, وجعل التحسين غاية أساساً مستهدفة بمختلف الوسائل الرامية لإنجاز ذلك التحسين، بما في ذلك تجميل النساء, والرجال في أمثلة أقلّ كوضع الشعر المُستعار في المجالس العامّة التي تقتضي وقوف المغنّي أمام جمهور، والاهتمام باللباس الخارجي أيّما اهتمام. بينما تبدو الكيفيّات والوسائط التي تستعملها النساء في سياق تحسين جمال المرأة كيفيّات ووسائط معتمدة في مطلع القرن الحادي والعشرين.
لا يُستطاع نقل الصورة، التي رسمها أبو الفرج عن الحجاز في تلك الآناء، بتفاصيلها الشيّقة التي عرضها من موقعه في أصفهان، وزمانه في مطلع القرن الرابع الهجري؛ غير أنّ مقارنة الحجاز بإقليمي العراق والشام في القرن الأوّل, تجعل المرء ينحاز، مثلما انحاز صاحب «الأغاني» إلى الحجاز، الذي كان مستمراً في الحفاظ على مرجعيّته بوصفه مكاناً مرجعياً يحتضن مقدّسات المسلمين، والأهمّ أنه كان مكاناً جاذباً للمغنّين والشعراء والذوّاقة من مختلف الأرجاء، بمن في ذلك شخصيات ثقافية وسياسية واجتماعية مرموقة وازنة، إضافة إلى شخصيات أخرى ذكرية وأنثوية تنتمي إلى ذروة قريش.
يصعب تقدير دور الأصل الحجازي لأبي الفرج في جعله يرسم تلك الصورة الزاهية المتألّقة للحجاز في تلك المرحلة، وخصوصاً لدى مقارنته بكلّ من العراق والشام؛ فالذائقة الدمشقية التي يسخر منها أبو الفرج بدت ذائقة سطحية سخيفة تذكّرنا بطغيان موجة الأغاني الهابطة التي نعاني طغيانها في هذه الأيّام، ومثالها آنذاك تاجر يتغنى آسفاً على مصير سمك السلّور المقليّ في القدر، وألم التاجر الناشئ عن إقدام القطّ على أكل ذلك السمك. وفي موازاة ذلك يتّهم العراق والعراقيين بالتزمّت الفظيع الذي يجعل مُتلقّي الشعر والغناء يلجؤون مباشرة إلى الفتاوى المعلّبة وامتحان ما يتلقّونه على ضوء ما تذهب إليه تلك الفتاوى. كانت( يثرب ) هي البؤرة التي احتضنت ولادة الموسيقا والغناء العربيّين، قبل انتقال البؤرة إلى بغداد بعد بنائها لجعلها عاصمة للدولة العبّاسية. وبعض المقروء من سيرة شعراء تلك المرحلة أنّهم كانوا يتعمدون جعل شعرهم مناسباً للغناء، وكان عمر بن أبي ربيعة هو الأنموذج المقتدى في ذلك السياق الذي يدفعنا إلى إظهار الأسى على سيرورة القهقرى التي حكمت تاريخنا المجيد.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed