آخر تحديث: 2021-01-15 22:13:03

هل نحن على أعتاب نهاية التّاريخ أم استئناف جدل تاريخي جديد؟

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تلعب الأفكار دوراً كبيراً إذا ما صادفت حدثاً ما دوليّاً كما هو حال فكرة «نهاية التاريخ» لفرنسيس فوكوياما التي لعبت الأحداث دوراً كبيراً في نقلها إلى الواجهة.. لا ندري كيف سيكون مصير فكرة كهذه لو كتبت في عهد بريجنيف حيث كان الحلم بنهاية التاريخ يتحقق بعولمة الاشتراكية وتمكين “شغيلة” العالم من وسائل الإنتاج.. ولقد ظل ماركس حاضراً في ما كتب فوكوياما لكن هذا الأخير فضّل تغيير تلك النهاية بنقيضها تماماً كما فعل ماركس مع الجدل التاريخي الهيغلي.. لا أحد يستطيع أن يكتب نهاية التّاريخ من خلال الأحداث الجارية.. كما أن ما يبدو حتى الآن نماذج متنافسة على هذه النهاية تعيش تحديات داخلية كبيرة.
وقع فوكوياما تحت تأثير الأحداث التاريخية وهو ما سبّب هذا الاستعجال الذي أدى إلى استنتاج نهاية التّاريخ.. لقد برّر التوسّع في هذا المضمون الذي بادر إليه في مقالة قديمة بجهل النّاس بمقالته.. جهل لا زال يَسِمُ به كل من فكّر في الاختلاف معه أو عدم كفاية الأدلة.. إحدى الأخطاء التي ارتكبها فوكوياما حيال نقاده اتهامه لهم أنهم لم يقرؤوا كتابه حتى النهاية، لكن هذا ليس صحيحاً، وحتى حينما حاورته يوماً قال إنّ الناس “فهموني خطأ”، وسبق وأكد في كتابه أنه لا يقصد بالتاريخ المعنى التقليدي المتمحور حول الأحداث، فهذه الأخيرة ستستمر ولكنه يقصد المعنى الهيغلي الذي استعاره ماركس نفسه وهو الذي يعني نهاية الأنماط وأن التطور لا بد له من نهاية.
وحتى هنا يكون فوكوياما قد أخطأ في أن الخلاف ليس في المعنى الهيغلي للتاريخ بل في مصداق الشكل الذي سينتهي إليه هذا التاريخ.. لو استحضرنا تصريحاته عشية تفكك الاتحاد السوفييتي ونشوة انتصار الرأسمالية الليبرالية لأدركنا أن ما فعله فوكوياما هو شكل من الانسحاب أو الهروب، وهذا الذي سيحدث عشية عام 2018 حين صرح في مجلة «the New Statesman» بما معناه أن الوضع الذي نجتازه اليوم يعزز بعض ما قاله ماركس بخصوص أزمة فائض القيمة وتزايد معدلات الفقر.. وبات فوكوياما أكثر ميلاً للنموذج الاجتماعي.. وحين قلنا أنّ المشكلة تكمن في المصداق فإنّ إيقاف عجلة التاريخ في النموذج الليبرالي الرأسمالي لم يقل به ماركس ولا حتى هيغل.. غير أنّ التّاريخ لا يقف عند نجاح نموذج في مجال محكوم بشروط استثنائية، ولا يمكن أن ينتهي حيث أنماط صناعة الفقر في هوامش تلك النماذج وفي المساحات الدولية، وحيث التصريف الإمبريالي للعنف والسيطرة.
بهذا لن يبقى أي معنى لاتهام فوكوياما نقاده بأنهم لم يفهموه وهو تعلّلُ يقع فيه كل من يرفض النقد مسبقاً أو الاختلاف مطلقاً، فالخلاف في الحدّ الأدنى هنا يرصد المصداق غير المقنع والذي يُعد استنتاجاً متسرعاً بسبب الدهشة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي واحتواء الرأسمالية الليبرالية لهذه الصدمة واستغلالها للفراغ الدولي حين سقوط قوة منافسة، لكن التفسير العميق للتاريخ يؤكّد بأنّ سقوط الاتحاد السوفييتي كان أيضاً بداية لسقوط النقيض الذي لم يحافظ على نقيضه ليستمر الجدل التّاريخي بين نقيضين وهو التعبير الحقيقي لفلسفة التاريخ الهيغلي كما نقلها كوجيف إلى ليو ستراوس وبالتالي إلى تلميذه آلان بلوم قبل أن تصل تلميذه فوكوياما ويطرأ عليها قيد جديد في المصداق.
إن نهاية التاريخ بهذا المعنى ينبغي أن تنتهي قبل بروز جدل جديد لاستئناف رحلة تاريخية جديدة قوامها الاعتراف.. كانت الجدوى من الجدل التاريخي أن تنتزع الرأسمالية الليبرالية الاعتراف من الاتحاد السوفييتي، لكن هذا الأخير “انتحر” ليترك الجدل من دون نقيض وهو ما فرض الانتحار الآجل لنقيضه الذي بات يترنّح على مسار تاريخي وجب أن نقرأ في سياقه سبب النزاع القائم في المركز الرأسمالي الليبرالي حيث باتت المسألة أكبر من مجرد تنافس انتخابي أو نزاع سياسي تقليدي بين الأطراف المتنافسة والأجنحة المتنازعة.
ما يحدث اليوم هو خروج مُتَمرحل يُعيد الوعي الذي سلبه سَكَر القوة بأن العالم يستحيل أن يستمر تحت هيمنة قوة وحيدة أو إدارتها وذلك نظراً لتضارب المصالح وتحوّل عميق في مفهوم القوة يتجاوز المفهوم التقليدي للقوة الذي بنى عليه صاحب نهاية التاريخ حتى وهو يزعم أنه “تجاوز المفهوم التقليدي للتاريخ”.

يكاد يكون التاريخ هو صراع القوى وتوازنها.. وفي لحظة سَكَر بالقوة اعتقدت الرأسمالية الليبرالية التي تمسك أيضاً بعصب الطاقة والتجارة والتسلح بأن ذلك يكفي للهيمنة على العالم من دون التفكير في مصير القيمة المضافة و الإدارة العادلة للثروة.. إن لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي هي حدث ككل الأحداث لكنه حدث يعكس نهاية شكل من الصراع لصالح شكل آخر، كما سيجعل الصراع أكبر من ثنائية قطبية مع تزايد الشعور بالحاجة للتحالفات الدولية تماماً كما يحصل في البرلمانات حينما يعجز حزب ما أن يظفر بالأغلبية المطلقة.. فما سيحدث في مستقبل العلاقات الدولية هو إعادة توزيع التحالفات بين قوى متوسطة تستطيع أن تبني من خلال تحالفات قوية أقطاباً مؤثرة وقادرة على إحداث التوازن الدولي.
كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed