آخر تحديث: 2020-11-23 21:44:18

تدوير الكتب المدرسية فاق التصورات هذا العام

التصنيفات: مجتمع

ماما.. ساعديني كيف سأحل التمارين والكتاب محلول. بابا «شوف الكتاب كيف محلول.. وين بدي حل التمارين».. «بدك تجبلي كتب جديدة منشان حل تمارين الانكليزي».
هذه الأحاديث اليومية جلها من الأقارب والأصدقاء والزملاء بعد عودة أولادهم من المدارس، وهي قواسم مشتركة، وخاصة لطلبة الحلقة الأولى من التعليم الأساسي وفي العديد من المدارس، الذين أصيبوا بخيبات أمل جراء حصول أولادهم على الكتب المدرسية المدورة ولمختلف الصفوف مع مطلع العام الدراسي، حتى الذين لم يعرفوها سابقاً على مستوى الأول والثاني والثالث كانت من نصيبهم هذا العام، بالرغم من التصريحات التي أتحفنا بها القائمون على الكتب المدرسية وطباعة الملايين منها، لكن المتابع والملاحظ للواقع يدرك عكس ذلك تماماً، فقلما تجد مدرسة إلا وعانت من مسألة تدوير الكتب، وفي زيارة سريعة إلى عدد من المدارس، وكذلك من خلال التواصل مع عدد من الأهالي والأصدقاء والزملاء الذين أجمعوا على أنه قلما يخلو بيت من البيوت إلا كان نصيبه قائماً من الكتب المدورة، بالرغم من توافر الجديد منها في مستودعات الكتب، وللبيع المباشر للطالبين من الأهالي والطلبة، وهو ما يثير الاستهجان؟
أرجعت مديرة مدرسة الشهيد جاد الله شنان السيدة ميادة شنان مسألة توزيع الكتب المدورة إلى تعليمات مشددة من الوزارة هذا العام لتوزيع ما نسبته 75 في المئة من الكتب المدورة مع 25 في المئة من الكتب الجديدة، ولأول مرة يتم توزيع كتب مدورة لصفوف الأول والثاني والثالث في بداية العام، والآن يتم استبدالها بالكتب الجديدة، ونأمل أن يتم ذلك على بقية الصفوف.
ولتختصر شنان الوضع بالقول: «أحب على قلبي إعطاء كل طالب كتباً جديدة»، وشاطرتها الرأي نفسه حول الكتب المدورة مديرة مدرسة الشهيد نزيه منذر السيدة إكرام حمزة.
في حين أكد مدير مدرسة الباسل المختلطة فادي حمادة في دمر أن تعليمات الوزارة هذا العام كانت التأكيد على توزيع الكتب المدورة، لكن المؤسف حصول طلاب الصفوف الأول والثاني والثالث على الكتب المدورة، فكيف لطالب الصف الأول المطلوب منه على سبيل المثال تعليم الحرف الذي يُعطى له أن يقوم بذلك إذا كان كتابه محلولاً؟
وأشارت مديرة مدرسة فايز سعيد محمود السيدة ناديا الراضي إلى ذهاب أمينة المكتبة عدة مرات إلى مستودع الكتب لتعود خائبة، مع أننا أعددنا القوائم الاسمية منذ بداية العام وأكثر من مرة.
لنتوجه بعد ذلك بالسؤال لمدير المجمع التربوي في مدينة جرمانا خالد السودة الذي أكد على تعليمات الوزارة، كما أشار العديد من مديري المدارس في مسألة تدوير الكتب، والنقص الواضح في بداية العام الدراسي والعمل حالياً على استدراك ذلك، نتيجة طباعة الكتب خارج حدود الوطن في لبنان، ما يعني ضرورة الانتظار إلى حين وصول الكتب المدرسية، وإلى الآن هناك نقص واضح في عدد من الكتب، بالرغم من التأكيدات على استخدام الكتب المدورة، وهناك آلية جديدة للتوزيع واستبدال الكتب القديمة المدورة. 
وبعد جولتنا كان لابد من الوقوف مع جانب مهم في رؤيته للكتب المدورة وطريقة التعامل معها وانعكاساتها على الأطفال، وهو ما عبرت عنه د. غنى نجاتي الاختصاصية بالصحة النفسية بقولها: بداية لابد من الإشادة بالجهود المبذولة في تأمين التعليم لجميع أطفالنا، وبتميزها عن بقية الدول المجاورة بجعلها التعليم إلزامياً ومجانياً، حفاظاً على بناء عقول صغارنا واستمرار تطورهم، بالرغم من معاناة وطننا والحروب التي تمارس عليه بطرق شتى.
وأضافت نجاتي: جزء من التزام الدولة بمجانية التعليم هو تأمين الكتب المدرسية التي يتم تناقلها عاماً بعد عام من طفل إلى آخر من دون استبدالها. وهنا قد يجد بعض الأهل والتربويين داخل المدرسة فرصة لتعليم الأطفال حس المشاركة وتحمل المسؤولية، حيث يجب أن يشرح المعلم للطفل أن هذه الكتب ستكون ملكاً مؤقتاً له خلال عامه الدراسي، ويجب عليه تسليمها للمدرسة مع انتهاء العام، وهذا يتطلب من الطفل أن يهتم بنظافة كتبه ويحافظ عليها، لأنها ستنتقل لطفل آخر من بعده، ومن وجهة نظر الصحة النفسية هذا سيغرز في الطفل قيمة العطاء، وشعور الانتماء لمجتمع المدرسة، وفي المقابل قد نجد بعض الأطفال، وخصوصاً صغار الصفين الأول والثاني يعتبرون الكتب المستعملة إهانة لهم وأحياناً صدمة عاطفية للطفل، وخصوصاً إذا لم يشرح له آلية انتقال الكتب المدرسية والهدف من إعادة استعمالها، ولقد تحدثت داخل عيادتي مع طفلة صغيرة كانت ترفض الذهاب للمدرسة، واتضح السبب أنها تخجل من كتبها الممزقة، التي تم تشويهها بـ«خربشات» مخيفة كما قالت لي، وهنا يضطر الأهل لشراء نسخة جديدة من الكتب لأطفالهم، ولكن ليست جميع الأسر تمتلك الفائض المالي لشراء الكتب الجديدة، حيث إن سعرها قد يبدو مرتفعاً لبعض الأسر التي لديها أكثر من طفل.

وأشارت د. نجاتي إلى أنه من الناحية السيكولوجية والتربوية يجب الانتباه أن صغار الطلبة في الصف الأول والثاني والثالث بحاجة لاستعمال نسخة جديدة من بعض الكتب مثل كراس الرياضيات وكراس اللغة العربية، لأن الطفل سيكتب ويتعلم على هذه الكراسات والكتب، ومهما قام الأهل بمحاولة محي وإزالة الأجوبة القديمة سيبقى أثرها واضحاً على الصفحات، وتالياً قد يجيب الطفل أو يكتب بشكل تلقائي كما وجد على كتابه القديم، من دون فهم أو قد يتكاسل بعض الأطفال بالقيام بالواجب المدرسي لأنه سبق وتم حله، فلا داعي لمحوه وإعادة كتابته، وهذا يشكل خطراً على المرحلة التعليمية لأن الأهداف التربوية لا تتحقق في هذه الحالة.
وختمت د. نجاتي متمنية بكل محبة بأن يتم تأمين كتب الرياضيات واللغة العربية ولغات جديدة أخرى لصغار الأطفال، ولا مانع من إعادة استعمال بقية الكتب كالدراسات الاجتماعية والتربية الدينية باعتبارها لا تتطلب حل التمارين على كل صفحاتها، وقد يبدو هذا المطلب صعباً في ظل الضرائب والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية، ولكن قد يتم تحقيقه مستقبلاً لأن تعليم أطفالنا وبناء عقولهم ورفع ثقتهم بأنفسهم هي مطلب أساسي لبناء مجتمع ناجح ومزدهر.

طباعة

التصنيفات: مجتمع

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed