آخر تحديث: 2020-10-25 18:40:27

قراءة في كتاب في مئوية معركة ميسلون واستشهاد البطل يوسف العظمة.. أبطال سوريون مرّوا من هنا

التصنيفات: دراسات,سياسة

يتحدث السوريون عن أبطالهم الاستثنائيين، وهم كثر، وكأن هؤلاء الأبطال لا يزالون يعيشون بينهم، يتقاسمون معهم كسرة الخبز في لجة شظف العيش حينما “تبخل المواسم” مثلما يتقاسمون طيب العيش حينما تكون “الغلال وفيرة” والأهم أنهم يتقاسمون طيب المشاعر التي تفوح منها روائح العزة والأنفة والإباء في محراب حب الوطن ذلك الحب الذي تشرّبوه مثلما يتشرّب النبات نسغه وماءه بكل دأب وإصرار.. كما يتحدث السورين عن الشهداء من أبطالهم وكأنهم نالوا شرف الشهادة لتوّهم، وكأن، دماءهم لا تزال ساخنة تروي تراب الوطن الطاهر بأطيب ما يكون..
قيل وسيقال, وكتب وسيكتب الكثير عن أبطالنا الذي يحفرون عميقاً في الذاكرة الجمعية السورية حتى باتوا جوهر كينونتهم العامة والخاصة ونبراساً يضيء سيرورتهم التاريخية المظفرة أبداً، وفي هذا الإطار قيل وسيقال الكثير عن الشهيد البطل يوسف العظمة بطل معركة ميسلون الذي لا يشق له غبار، ومن أحدث ما جاء في ذلك كتاب حمل عنوان “مئوية معركة ميسلون.. في ذكرى الشهيد البطل يوسف العظمة”، وهو كتاب صدر حديثاً ويقع في 256صفحة من القطع المتوسط.
ويتناول الكتاب بشكل عام عدة محاور منها الأحداث التي سبقت معركة ميسلون، ابتداء من 1914 الحرب العالمية الأولى، وما تلاها 1916 من توقيع اتفاقية “سايكس– بيكو” بين فرنسا وبريطانيا الاستعماريتين، مروراً بعام 1916 بدء الثورة العربية الكبرى ضد الاحتلال العثماني بقيادة الشريف حسين بن علي، وما تبعها من أحداث وصولاً إلى “إنذار غورو” 14 في تموز 1920 ومن ثم وقوع معركة ميسلون 24 تموز .
كما يتناول الكتاب محوراً حول سورية في العهد الفيصلي، والانتداب الفرنسي الغاشم على سورية، ويستعرض كذلك وثائق تاريخية مهمة مترجمة متعلقة بمعركة ميسلون، وهي وثائق مأخوذة من أرشيف الخارجية الفرنسية، إضافة إلى عدة شهادات لمعاصري البطل الشهيد يوسف العظمة.
يبدأ الكتاب بمقدمة للدكتورة بثينة شعبان المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية بعنوان “الشرف الرفيع” استذكرت فيها أنه خلال عملية السلام التي تمت على مراحل في العقد الأخير من العقد المنصرم كان القائد المؤسس حافظ الأسد يستشهد دوماً ببطل ميسلون الشهيد يوسف العظمة، مشيرة في هذا الإطار إلى أن يوسف العظمة كان أحد القادة التاريخيين الملهمين بالنسبة للقائد المؤسس حافظ الأسد، تجمعهم عدة نقاط تلاق أبرزها حب الوطن والتفاني في خدمته..
“سورية والعهد الفيصلي”
وبعد كلمة لمؤسسة وثيقة وطن، وتعداد للأحداث التي سبقت معركة ميسلون، من العام 1914وبدء الحرب العالمية الأولى ولغاية 14 تموز 1920 حيث وصول “إنذار غورو” إلى دمشق أي قبل عشرة أيام على معركة ميسلون، ينتقل الكتاب للحديث عن “سورية والعهد الفيصلي” من مذكرات يوسف الحكيم الذي يروي في ما يرويه أنه “يقتضي الواجب أن أشير إلى ما قاله الخبراء المختصون في صدد هذه المعركة -ميسلون- وهو أن التدابير والترتيبات التي اتخذها وزير الحربية –يوسف العظمة– في طريق زحف الجيوش الفرنسية هي أكبر دليل على مهارته في الفنون الحربية، كما إخوانه المدافعين في نقاط متعددة قد أظهروا منتهى النشاط والبسالة فاستحقوا عليها فائق الشكر والثناء..” ويشير الحكيم بهذا الصدد إلى أن هجوم البطل يوسف العظمة مع رفاقه على مصفحات العدو أدهش الأعداء أنفسهم.. وأعطى المثل الرائع في التضحية دفاعاً عن المبدأ الوطني والحرية والاستقلال..

الانتداب الفرنسي الغاشم على سورية
عن هذه الفترة وإرهاصات ما قبل معركة ميسلون تجد الكثير من المعلومات الموثقة في مذكرات حسن تحسين باشا الفقير الذي تقلد عدة مناصب عسكرية في زمن وزير الحربية البطل يوسف العظمة حتى عهد إليه بقيادة الفرقة الأولى، ويتحدث في مذكراته عن تدريبات الجيش، و”إنذار غورو” وغدر الفرنسيين وفشل المفوضات والكثير من التفاصيل العسكرية والسياسية التي قادت بمجملها إلى أن الحرب واقعة لا محالة، إذ يروي حسن تحسين باشا الفقير أنه “حضر ظهر يوم 23 تموز سنة 1920 إلى الجبهة وزير الحربية يوسف بك العظمة، وأفهمنا أن المفاوضات باءت بالفشل، وأن الحرب واقعة لا محالة..” وهنا يروي الفقير تفاصيل الترتيبات العسكرية السورية وتوزيع المهام، وصولاً إلى الحديث عن بدء المعركة” وفي تمام الساعة السادسة والنصف من 24 تموز 1920 بدأت الحرب وأوقد أوارها، وكان من غريب المصادفة أن ظهرت بآن واحد طلقة من العدو وطلقة منا، وكان مقر قيادتي ومعي وزير الحربية رحمه الله وقائد اللواء الأول للمشاة وقائد لواء المدفعية على رأس رجم حجري فوق قمة تل الشراطيط وأمامنا صخرة بارتفاع متر تسترنا إلى نصفنا فقط، ومقر الهاتف بقربنا، وكنا لا نبعد بموضعنا أو مقرنا هذا عن الخط الأول أكثر من خمسين متراً، وقد تعمدنا ذلك للجند وللمتطوعة، بينما تؤكد التعاليم الحربية وأنظمتها أن يكون مقر قيادة الفرقة أو وزير الحربية إذا حضر المعركة بعيداً عن خط النار..”.

بسالة نائب عربي سوري
ومما رواه الفقير حادثة مؤثرة جداً عن بسالة نائب عربي سوري قائلاً: “وفي أثناء احتدام المعركة تقدمت سرية للعدو تقدر بمئة وخمسين جندياً مع قائدها باستقامة رابية عالية على الطريق وجنوبه، وكان يحمي هذه الرابية نائب مع ثلاثة من جنودنا النظاميين، فأصلى هؤلاء الجنود البواسل جند سرية العدو المتقدمة ناراً حامية بمعاونة رشاشة كانت قريبة من الرابية المذكورة ولم يصل من سرية العدو المهاجمة إلى قمة الرابية إلا عشرين جندياً فقط مع قائدهم وكان برتبة رئيس –كابتن- وقد أشهر مسدسه على النائب الذي بقي من جندنا حياً لأن الاثنين من رفاقه استشهدا إلى قربه وبقي الثالث جريحاً يعاني ألم إصابته، وطلب الضابط الفرنسي من النائب السوري أن يستسلم وإلا قتله، فما كان من النائب الباسل الجريء إلا أن رمى الكابتن فجرحه، وهجم عليه وطعنه بحربته المركبة على بندقيته في صدره ورماه على الأرض يتخبط بدمه وهجم على جنده العشرين الفرنسيين الباقين وتعقبهم وهم يفرون أمامه بحربته، وردهم مهزومين إلى الوادي، وعاد إلى الرئيس –الكابتن- الفرنسي الذي كاد يصعق لرؤيته، ولكنه هدأ روعه وسقاه ماء وحمله إلى مكان أمين خلف الرابية. وهكذا سجل هذا النائب العربي صفحة خالدة من الشجاعة والشهامة العربية يخلدها التاريخ العربي بمداد من نور، لاسيما وقد تمكن من صده وهو بمفرده ولم يمثل به أو يصبه بسوء.”

استشهاد الوزير
وبعد هذه التفاصيل يتحدث العمري عن استشهاد الوزير العظمة، ومما قاله في ذلك:” ..عندما شاهد الوزير تقدم الفرنسيين داخل الوادي، ورفعهم الحواجز وعدم انفجار الألغام وعدم رمي المدفع على الدبابات المتقدمة، وسقوط حصن عقبة الطين، وانسحاب حاميته، واستمرار تقدم الدبابات على الطريق بحيث قاربت مقر القيادة، أخذه الغضب وذهب إلى موضع المدفع، وطلب من الرامي أن يرمي الدبابة المتقدمة، وفي هذه اللحظة رمته تلك الدبابة بطلقة من مدفعها عيار /37 / فأردته شهيداً..”
وفي ختام هذه النفحات من بطولة الشهيد الرمز يوسف العظمة لعل من المناسب تكرار عبارة ” ..فأطلقها ميتة باسلة رائعة وضعت الشرف العسكري في الذروة..” مصدقاً لقول الشاعر:
فإمّا حياةً تسرُّ الصديق……… وإمّا مماتاً يُغيظ العِدى.
إذاً كما أسلفنا الكتاب غني بالمعلومات الموثقة عن مرحلة مصيرية في تاريخ سورية الحديث وما سطره أبطالها من ملاحم بطولية لم تنم في بطون الكتب بل تزهر على الدوام بطولات جديدة لا يزال نبعها ثرّاً.. ولا عجب.. فسورية كانت ولا تزال مصنع الأبطال..

مناقب الشهيد العظمة
من جهته يتحدث المؤرخ إحسان الهندي باستفاضة عن معركة ميسلون من جميع الجوانب بما في ذلك “إنذار غورو” وردود الفعل عليه وما ساد آنذاك من تضارب في الآراء إزاءه، ولاسيما حول مدى استعداد الجيش وقدرته على خوض المعركة بمواجهة القوات الفرنسية، ويبرز المؤرخ هنا رأي وزير الحربية يوسف العظمة الذي كان رأيه دوماً “إن الجيش وجد ليقاتل ولو أن نتيجة المعركة ستكون ضده”, وهذا الرأي يتقاطع مع أبرز مناقب العظمة التي ذكر المؤرخ بعضاً منها، ومما يقوله في ذلك “لقد كان رحمه الله رجلاً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى يعتز بنفسه وعروبته اعتزازاً واضحاً..”.
وقد شهد حتى أعداؤه بصفاته الحسنة، وقد وصفه الجنرال غوابه قائد الجانب الفرنسي في معركة ميسلون بأنه “ذكي وطموح.. وأنه كان عدواً لا يمكن استمالته ولقد كان مهتماً بكثير من النشاط والمثابرة بقضية تنظيم الجيش العربي وعلى هذا لم يكن أبداً عدواً يستهان به”، بينما قال عنه الجنرال غورو رئيس أركان جيش الشرق “هذا الضابط الشاب تماماً كان عدواً شرساً لنا..كان يفخر بأنه كان قائداً للبطارية التي أصابت الجنرال غورو في الدردنيل، ولقد كان طموحاً جداً..”.
ويقول المؤرخ الهندي: “ويجب أن نضيف إلى ذلك أنه كان عسكرياً بطبعه حسب المفهوم الجرماني للحياة العسكرية،كان للجيش حسب مفهومه مهمة واحدة هي أن يقاتل بصرف النظر إذا كان سيربح المعركة أم سيخسرها نتيجة لهذا القتال، ولذا فقد انفرد في مجلس الوزراء ومنذ بداية أزمة إنذار غورو بالإصرار على الدفاع وعدم الرضوخ للمطالب الفرنسية، وليس هذا الموقف خاطئاً إذ إننا نجد له مثيلاً في كثير من مواقع الحربين العالميتين الأولى والثانية..”.
وبعد سرد عدة أمثلة على ذلك، يضيف المؤرخ الهندي: “وهكذا كان الأمر بالنسبة ليوسف العظمة، كان يعلم أنه لا بد من معركة فاصلة بين السوريين والفرنسيين ولم يكن يمنعه من خوضها علمه سلفاً بأنه سيخسرها، لأنه كان يعتقد أن مشي فرنسا على جثث الشعب وأشلائه واستيلائها على مدن خربة مدمرة أفضل وأشرف للشعب السوري من فتح أبواب بلاده للمستعمر ليدخلها بسهولة ويمشي في شوارعها مستعلياً، ولا ريب أن الشهيد يوسف العظمة كان يملك أن يفعل مثلما فعل لدّاته من القادة والرؤساء ممن تطامنوا فقد توازن القوى فأسلموا أنفسهم إلى الانسحاب يأساً من إمكان إحراز الغلبة، ولكنه واثقاً وأوثق منهم صلة بالمثل العالي، فأطلقها ميتة باسلة رائعة وضعت الشرف العسكري في الذروة ولذا نجده مصمماً على الدفاع عن دمشق ولو كان هذا الدفاع مجرد دفاع رمزي، وأن يقتل وراء المدفع الذي يرسل منه الطلقات إلى الجيش المعتدي, وكان يرد على رفاقه في مجلس الوزراء حين يسألونه عما يجب عمله أذا كان النصر على جانب الفرنسيين: فليدخلوا غصباً عنا أفضل من أن يدخلوا برضانا، لأنهم إذا دخلوا برضانا فلن يخرجوا بسهولة، وأما إذا دخلوا قسراً عنا فبوسعنا في أي وقت أن نطلب منهم الخروج من بلادنا، وهكذا فقد صمم يوسف العظمة على الدفاع والاستشهاد غير آسف إلا على شيء واحد وهو انصياع الحكومة العربية للإنذار وتسريح الجيش ولذلك كانت آخر كلمة قالها للأمير زيد في يوم 23 تموز أي قبل معركة ميسلون بيوم واحد: لقد أخطانا بتسريح القوات ولكننا سنحارب حتى النهاية”.

ما قبل المعركة
صبحي العمري يورد في مذكراته الكثير من تفاصيل ما قبل معركة ميسلون، إذ يتحدث عن “تسريح الجيش وأن ذلك لم يقنع غورو بالعدول عن قراره باحتلال دمشق والقضاء على الحكم العربي الفيصلي في داخل سورية.. ومن ثم توتر الأحوال بين فرنسا والحكومة العربية منذ شهر آذار 1920، كما يورد تفاصيل عسكرية عن توزع الجيش العربي والقوات العربية التي اشتركت في المعركة، وخطة الجيش العربي وتحركاته، إضافة إلى قوة الجيش الفرنسي وتوزيعه وخطته وتحركاته، وصولاً إلى انطلاق المعركة والوضع في جبهة ميسلون.. وهنا يقول العمري: “منذ الفجر الأول من صباح يوم 24 تموز 1920 كان جميع من في جبهة ميسلون من قادة ومحاربين متيقظين ومتهيئين ينتظرون نشوب المعركة، وفي الساعة الرابعة والنصف أمر الوزير آمر اللواء الذي كان بالقرب منه أن يفتش الجبهة..”.

طباعة

التصنيفات: دراسات,سياسة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed