آخر تحديث: 2020-10-22 23:11:53

عيش السوريين المستهدف

التصنيفات: زوايا وأعمدة

من بين كل أنواع الحصار التي مارسها الغرب ضد دول وشعوب لم يكن يرى في سياساتها ما يحقق مصالحه أو مراميه التي يصبو إليها على المديين القريب والبعيد، تبرز تجربة العراق الذي تعرض لحصار دام اثني عشر عاماً امتدت ما بين 1991- 2003 قبيل أن تترأس الولايات المتحدة “تحالفاً دولياً” ذهب في ربيع هذا العام الأخير إلى غزوه وإسقاط عاصمته بغداد بذرائع ملفقة كان يصم بها آذان ومسامع هذا العالم الذي لم يكن يملك إلا أن يصغي لكل ما يصدر عن هذا القطب الأوحد الذي تفرد بالهيمنة العالمية بعيد انتصاره في الحرب الباردة التي انتهت لمصلحته في أعقاب سقوط حلف وارسو 1989 ومن ثم تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991.
بروز نموذج الحصار على العراق هنا يتأتى من كونه يتشابه بدرجة كبيرة في العديد من معطياته وكذا أهدافه التي ذهب إليها مع نموذج الحصار الاقتصادي الوحشي الذي تتعرض له سورية منذ ما يقرب من عشر سنوات، ففي أتون اثني عشر عاماً من الحصار على العراق جرى تجويع شعبه، وتدمير بناه التحتية، وكلا الأمرين ساعدا -إلى جانب بث النعرات المذهبية والطائفية- في تهتك النسيج المجتمعي العراقي، ولم يكن ذلك كله إلا مقدمات كانت تبدو لازمة لحدوث فعل الغزو الخارجي الذي نضجت تراسيمه ربيع العام 2003.
وجه الاختلاف في ما بين الحصارين هو أنه لا يلمس في التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين منذ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ثم خلفه دونالد ترامب، كما لا يلمس في الأداءين السياسي والعسكري لتلك الإدارتين، محاولات يمكن أن تشي بإمكان التفكير بتكرار السيناريو العراقي في سورية أقله في طابعه “الاجتياحي” لاعتبارات عديدة من ضمنها الوجود العسكري الروسي فيها بطلب من الحكومة السورية للمساعدة في محاربة الإرهاب، إلا أن مجمل التصريحات التي تكاثفت خصوصاً في الآونة الأخيرة يمكن أن يلمس منها أن الإدارة الأمريكية تهدف من وراء “سياساتها” الراهنة إلى “إجبار” القيادة السورية على ” تغيير سلوكها” العبارة التي وردت على ألسنة العشرات من المسؤولين الأمريكيين خلال السنوات الأخيرة، وهي في تراجمها تعني شيئاً واحداً هو “قولبة” السياسة السورية “ووضعها في سياقات محددة” تلبي مصالح الخارج بالدرجة الأولى بعيداً عن المصلحة الوطنية السورية العليا.
في قراءة التداعيات المحتملة لهذا السيناريو الأخير، لا بد من القول إنه من النوع الذي يترك آثاراً تراكمية على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل في جوانب أخرى لا تقل أهمية من نوع المزاج العام للشارع وطبيعة الطروحات والأفكار التي تنتج عن هذا الأخير، وهي في جلها تكون مؤثرة في صناعة القرار السياسي ومؤثرة فيه.
إلا أن النتائج المقدر الاستحصال عليها جراء هذا السيناريو الأخير لا يبدو أنها ستؤتي أكلها كما حدث مع ليبيا والسودان لاعتبارات عديدة تتعلق بالإرثين التاريخي والحضاري الحاكمين تقليدياً لخيارات السياسة السورية وغرف صناعة القرار فيها.
ومن حيث النتيجة فالراجح هو أن كلاً من سيناريو التهديد بالغزو الخارجي الذي يظل مستبعداً، وسيناريو الحصار الاقتصادي الحاصل راهناً، لن يكونا مجديين مع السوريين اللذين أظهروا صلابة لافتة فاجأت غرف صناعة القرار السياسي الغربي عموماً والأمريكي على وجه الخصوص، وعليه فإن هذه الأخيرة تبدو اليوم معنية باجتراح خيارات أخرى تلوح “تباشيرها” الآن من خلال ضرب طوق من المهرولين باتجاه التطبيع مع كيان الاحتلال حول دمشق يكون من شأنه “تحجيم” تأثيرها الذي حظيت به منذ أن أضحى هذا “الكانسر” الذي ابتليت فيه المنطقة واقعاً في العام 1948.

طباعة

التصنيفات: زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed