آخر تحديث: 2020-10-30 04:41:40

المستوى المتدني للمعيشة وعلاقته بمستوى الإبداع

التصنيفات: ثقافة وفن

ازدادت شكوى الناس المتابعين لبعض الفعاليات الثقافية بأن ما يتابعونه ليس ذا مستوى كما الفعاليات التي كانوا يتابعونها قبل الحرب، بالقدر الذي ازدادت فيه شكوى الذين نعتبرهم بشكل أو بآخر، هم مبدعون لتلك الفعاليات، سواء في الأدب المكتوب، أو في الفنون المرئية أو المسموعة، من سطوة الحرب ومن تقصير بعض الإدارات ، في تأمين مستوى جيد من المعيشة لهم لإنجاز إبداعات بمستوى عال، توجهّت « تشرين» إلى المفكر عطية مسوح، وللروائي فيصل الجردي، وللشاعر د. راتب سكر، بالسؤال التالي:
كيف ترون تأثير المستوى المتدني للمعيشة الذي بات يفرض سطوته بشكل حادٍّ جداً على المبدع، وبالتالي في مستوى الإبداع فكرياً وفنياً، وما أهمية أن تولي الجهات المعنية المستوى المعيشي لهذه الشريحة بخاصة ولعموم الشرائح بعامة؟
هتاف أودية
يستهل الشاعر د. راتب سكر مساهمته بالقول: ثمة أسئلة ترسم لأجوبتها دروباً معبدة، فتجد خبزها وسلمها وحريتها مقيدة إلى منصفات تلك الطرق وسواترها الحديدية يميناً ويساراً، حتى إذا تنبهتْ من غفلتها أدركتْ أنّها استبدلتْ بإبداعها حطامَ دروبٍ غريبة على جوهره… فصاحب الأدب والفن يريدُ للناس في بلاده والعالم خبزاً، ولكنه يجد الفنون والثقافات تناديه إلى هتاف أوديتها، فيترك كلّ شيء ويتبعها، مخَبِّئاً في تلَّةٍ عاليةٍ من الوجدان والضمير، ألقَ همسها الحميم: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.
أسرار سعادات
لكن ما الذي يحفّز قطاع طرق متعددين؟ يتابع د. سكر مساهمته بالقول: مغانم المعيشةِ والحياة الدنيا قد تشجع قطاع طرق من شتى صنوف الأنواع، على اختطاف مرابع الفنون والثقافات، وتحويل أبنائها إلى أسرى مجهولي المصائر، وقد يساعدهم ذلك على تعلم أساليب السحرة فيسحرون الثقافة والحياة بأفاعي سحرهم، فيكون المآل خسائر فادحة في مغانم المعيشةِ، وجوهر الحياة، مجتاحاً بصلف الكبرياء «مملكة الشعر» الذي يقول عنه د.نزار بريك هنيدي في كتابه (صوت الجوهر): «الشعر صوت الجوهر الإنساني». ورغم ذلك يختتم د. سكر بالقول: لا بدَّ من رخاء مادي يعم مدن الكون وقراه، بمن فيها من بشر سمر وبيض وسود وصفر، وإذ يطمئن الشعراء وأصحابهم على تعميم رخاء من هذا الطراز، يكتشفون أسرار سعادات وقصائد وخيالات ما كانت لتخطر على أنّات ربابة.
الزهد بمتاع الدنيا
أمّا الروائي فيصل الجردي فله وجهة نظر متطرفة بعض الشيء فيقول « للإجابة لا بد أولاً من تحديد معنى الإبداع وآفاقه وطرقه، في اللغة: بدع الشيء بدعاً: أنشأه على غير مثال سابق، فهو بديع، والمبدع لغةً هو الخالق، والإبداع عند الفلاسفة هو: إيجاد الشيء من عدم. فأين هم المبدعون؟ قد نسمي من نظم شعراً على نسق المتنبي شاعراً، ولا يحق لنا أن نسميه مبدعاً، إلاّ إذا جاءنا بجديد. كما لا نسمي من رسم لوحة على غرار دافنشي مبدعاً، فالمبدعون قلة قليلة يعيشون بين ظهرانينا يلفهم التجاهل والنسيان فيزيدهم البؤس إبداعاً، ويحلق بهم الزهد بمتاع الدنيا إلى آفاق المعرفة والإبداع. المبدع الحقيقي يعبّر عنه الشاعر نسيب عريضة عندما كتب رسالته إلى ميخائيل نعيمة يقول فيها: «يا ميشا أنا لا أريد من هذه الدنيا سوى ثوب يستر جسمي وكسرة خبز»، ولا أدري لماذا نسي القلم والورقة!!.
المبدع يطلب العدالة
ثم يروي لنا حادثة جرت معه ليقدم لنا من خلالها دعماً لوجهة نظره، فيقول:«كنت أقف في صف طويل لشراء ربطة خبز من المخبز، وكنت قد اقتربت من نافذة البيع عندما لمحت المفكر الكبير الراحل الدكتور (ط)- وعذراً لا أريد ذكر الاسم كاملاً- وهو يقف في نهاية الصف، فسلمت عليه من بعيد، وعندما جاء دوري اشتريت ربطتين بدلاً من ربطة واحدة، وذهبت إلى الدكتور- رحمه الله- وقدمت له ربطة الخبز لكي أوفرعليه عناء الوقوف الطويل في البرد، لكنه اعتذر بارتباك شديد ثم قال: لم يحن دوري بعد وأنا لا أخون شعبي، فاعتراني خجل شديد وأعطيت الربطة إلى أحد الفقراء وغادرت المكان من دون أن أفهم كلمة من اللغط الذي ساد الحضور». ويختتم الروائي الجردي مساهمته بالقول: هؤلاء هم المبدعون..أشد ما يؤلمهم آلام شعبهم الذي يئن تحت وطأة حرب خبيثة ظالمة، تستهدف دماءهم ولقمة عيشهم، ولكن هذه الحرب وما يرافقها من عوز وفاقة، لا تحبط الإبداع، بل تزيده عمقاً، فأعظم الأعمال الأدبية والفنية في التاريخ أنجزت في خضم المعارك والنكبات، مثل (الحرب والسلم) لتولستوي، ولوحة الغورنيكا للفنان بيكاسو. فالمبدع لا يطلب إلاّ العدالة والمساواة وأجنحة يحلق بها في سماء الحرية.
القلق الجاف

ونختتم هذا الاستطلاع بمساهمة الباحث والمفكر «عطية مسوح» الذي يختلف بوجهة نظره مع ما جاء بوجهة نظر الروائي فيصل الجردي، مضى مسوح قائلاً: «يتأثر المبدع، كغيره من الناس، بمستوى المعيشة المتدني في بلده. ففي بلادنا مثلاً أصبح المبدع يقف على حافة الفقر، ومن يقف على الحافة يظل يترقب السقوط ويخشاه. إنه يعيش القلق المضني، وهذا القلق ليس قلقاً مبدعاً يفجر الأسئلة ويقترن بالأمل، بل هو القلق الجاف الذي يجعل كل ملكات العقل مشغولة بتأمين متطلبات العيش وليس الحياة. فالحياة لها مقوماتها المعنوية والثقافية التي لا يستطيع المبدع تأمينها وهو صفر اليدين. يقال أحياناً إن الإبداع هو ابن المعاناة، هذا صحيح، ولكن أي معاناة؟ أهي العجز عن تأمين احتياجات الأسرة؟ أهي عدم القدرة على شراء كتاب؟ أهي الكف عن التواصل مع الحركة الثقافية ومبدعي الوطن بسبب غلاء أجور النقل والإقامة؟ هذه معاناة يذبل فيها الإبداع ولا يورق. يمكن للمبدع أن يصور حالة فقر عاشها، لكن بعد زمن من مرورها، أما وهو يكتوي بنارها فلا خيال ولا مشاعر ولا قلم ينبض ويبوح».
مكافآت وتخفيضات
ويوافق المفكر مسوح على أن: الحكومة مسؤولة، نعم مسؤولة عما وصلنا إليه. ولا أظن المثقفين المبدعين يطالبون بحل مشكلتهم المادية وعدم الاكتراث لمشكلات الفئات الشعبية الأخرى. يدرك المبدعون أن المطلوب هو حل مشكلة الفقر في المجتمع، وهم منه، تتحسن أحوالهم بتحسن أحواله. ويرى مسوح : أن ثمة تدابير يمكن أن تخفف الأعباء المادية المرافقة للنشاط الثقافي. فيمكن مثلاً زيادة المكافآت المالية للمحاضرات والمشاركة في الأمسيات الأدبية، فتكون ثلاثين ألف ليرة أو أكثر، كما يمكن أن تكون للكتّاب والموسيقيين والمسرحيين تخفيضات حقيقية في البولمانات والفنادق والمطاعم، تخفيضات تغطيها الدولة، كما يجب زيادة مكافآت التأليف، وزيادة نشر الكتب من قبل الوزارة واتحاد الكتاب وغيرها. ثم يربط مسوح الخاص بالعام حين يقول: إن الإنفاق الحكومي على الثقافة يجب أن يصنف إنفاقاً منتجاً، لأن مردوده على تقدم المجتمع لا يقل عن مردود وجوه الإنفاق الأخرى، بل يزيد. أعود إلى القول إن مشكلة الفقر في المجتمع عامة، ولا تحل على نطاق فئة من فئاته.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed