آخر تحديث: 2020-10-21 01:45:55

حتى لا يكون العقل أقل ما في الإنسان ذكاء

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

لم يكن استشكال السببية نفياً لها بقدر ما كان استشكالاً يحدّ من صلاحيات العقل، وهي اللحظة التي دخل فيها الفكر الإنساني في الغرب مرحلة الفطام من العقلانية الصورية إلى الحسّية الأمبريقية (الفلسفة التجريبية) التي تضع مساحة موضوعية بين ما يقع في الخارج وما يتم تركيبه في الذّهن، وهي أيّا كان الأمر لا تنفكّ عن الإدراك الانطباعي، هكذا مع ديفيد هيوم (فيلسوف اسكتلندي) ومع أرتور شبنهاور (فيلسوف ألماني) سيكون لهذه الصلة وضوح أكبر لأنه من دونها كما في «العالم إرادة وتمثّلاً» ستكون عدماً. وهذا التحول في مسار تصور العالم وتمثّله يبدو مدعاة للإحباط ، لكنه على عكس ذلك يخدم فكرتنا حول ضرورة قطع مسافات التردد في تاريخ الأفكار ومستقبلها، حيث تتوقف الاستيعابية على هذا المرور وتلك القطائع. فلقد أمكن للأمبريقيين أن يضعوا اليد على نصيب العقلانية من الأوهام في صميم الإدراكات الذّهنية، وبأنّ الذّهن يفرض تصوراته على العالم وهو ما يضعنا أمام قصّة السّبب الكافي في الطبيعيات بخلاف الرياضيات كما عند غوتفريد ليبنتز (فيلسوف ألماني).
لم تكن علاقة الإنسان بالعالم علاقة واضحة، لكنه في كبح هذا الاتجاه فتح المجال للسير إلى الأقصى وهو النوبة الجديدة في التّطرّفات الحتمية لتاريخ ومستقبل الأفكار. فالذهاب ناحية الرشد والتواسط في فهم العالم مهمة تاريخية شاقّة ونحن في حافة المرحلة الانتقالية. حين تحدّثت عن الانقلاب في الذهن البشري فقد قصدت أنّنا سنفكّر في اتجاه مختلف لا نكاد نتصوّر آلياته لأنّنا سنكون إزاء تولّد ملكات جديدة ظلّت كامنة في مشوار انتقال العقل من الأقصى إلى الأقصى. وهذا الانتقال شوّش على الفكر والوجود نظراً لغياب الوعي بحقيقة هذا التّاريخ. فالرّشد البشري لا زال لم يتحقّق، ولقد “انوجدنا” ولا زلنا “ننوجد” ونحيا بأدوات في التفكير تؤمّن نمط وجودنا المحاط بالقلق والغثيان.
تكمن المفارقة التي تولّدت عن جهل الإنسان -بكونه يجري في مسار البحث عن الرشد المفقود- في كونه سلّم بالكثير من المبادئ وأدخل بعضها في صميم المسبقات العقلية الضرورية بينما تجاهل الوجود واستغيبه وهو ما يمنحه الإحساس بالأصل، إذ إن الشيء الوحيد الذي لا يحتاج إلى تعريف أو تعليل هو الوجود. ويكفي أنّه وحده الذي يتكثّف ظهوره عند غيابه، فهو حسب مارتن هيدغر (فيلسوف ألماني) يدوم بوصفه ظهوراً وانحجاباً في آن معاً.
لا ننفي السببية لأنّ هذا سيضعنا في قلب التناقض، لأنّنا في الإثبات والنّفي معاً نحتاج إلى التعليل، فهل يا ترى سنعلن استحالة العلم؟.. لعل هذا ما فتح باباً للعبثية واللاّقصدية والالتفاف على شيء تعاملنا معه كما لو كان غير ثابت لكن ما نؤكّد عليه هنا هو أنّنا نحتمل دائماً وجود أسباب لا حصر لها في تشكّل النتيجة والتحفيز. فكل سبب ينطوي على أسباب، والأهم أنّ سبباً آخر غالباً ما تتجاهله عمليات الاستقراء وهو السبب البنيوي الذي يجعل الكلّ محفّزاً للجزء في نسق تتبادل فيه العناصر فعل التحفيز لنكون أمام وضعية بالغة المفارقة حين ندرك بأنّ السبب قد يكون مسبباً والعكس أيضاً في عملية جدلية تبادلية، هذا سبب لذاك حيث يتوقف المسبب على سببه بقدر يتوقف السبب على وجود مسببه لاستكمال فعل «التسابب» المستدام.
ولكي أشرح ذلك أكثر -وهذا يتطلّب استيعاباً للحركة والجدل- فإنّ السبب يُوجد المسبّب وفي الوقت نفسه يحتاج السبب في وجوده لمسبّبه: يتوقف بقاء نوع الدجاجة على وجود البيضة بينما يتوقف وجود البيضة على الدجاجة، يتسبب المزارع في إنتاج الغلة لكن الغلة تتسبب في وجوده وبقائه، عليه أن يزرع لينتج الكلأ وعليه أن يأكل الكلأ ليزرع.. النظرة الجامدة للأسباب باعتبارها تتوزّع دورين وخاصيتين ككل الثنائيات الفاقدة لروح الجدل تضعنا أمام تصوّر للعالم جامد وليس في حركة مستدامة. وأمام هذا التعقيد الذي تسلك عليه حقائق الأشياء يصبح التفكير السببي انتهاكاً للمدى السببي الأوسع بل يصبح شكلاً من التبسيط السّببي كما هو واقع كل أشكال مُعاقلاتنا.

سأعود إلى أهمية تاريخ الأفكار بوصفها مجالاً للتّأمّل لا لإحصاء القطائع والتراجيح، وهذا هو وضع الدرس الفلسفي اليوم ونزعته السكولارية (العلمانية) التي عطّلت ملكة الابتكار حتى بات درساً تقليدياً للحفظ والاسترجاع. وعند تأمّل ما يتميّز به الدرس الفلسفي عن نظائره من الحقول نكتشف أن لا شيء تغير، فالتربية على التّمثّلات السكولارية تؤكّد أنّ الفلسفة تتجه نحو الانقراض، لأنّ الممارسة الفلسفية اليوم ككل ممارسة هي شكل من التّمثّل البيداغوجي واستحضار المتون ووصف القطائع، هل يا ترى هناك بيداغوجيا حقيقية للتحوّل إلى مجال تفعيل التّأمّل وخلق حلول مبتكرة؟.. إنّ الأهمية المتبقية لتاريخ الأفكار هو القدرة على التنبّؤ بمآلات القول الفلسفي، والحال أنّنا لا زلنا غير آبهين بمصير القول الفلسفي ومآلاته، أي أنّ الفلسفة خرجت من نطاق المستقبليات.
أفهم في تلك المناقضات التي يشهدها تاريخ الفلسفة كيفية تدبير العقل لمآزقه، وهي فرصة للوقوف على كيفية اشتغال الذّهن البشري. وكم رأيت في تلك المحاولات هروباً وتلوّياً وانكفاءً وإعطاباً ومخاتلات وانبطاحاً، ذلك لأنّنا نحل مأزقاً بفتح الباب أمام جيل جديد من المآزق نسمّيها تفلسفاً، ويأتي قارئ تاريخ الفلسفة ليحوّلها إلى قصّة ليس لغرض التوثيق لقطائع الميتافيزيقا بل لتصبح رواية معزّزة للإحباط واليأس وفي أحسن الحالات للإمتاع والمؤانسة.
معارك الفلسفة أكبر مما نظن ونفعل، لأنها معنية بفهم العالم وتغييره، ولن يتحقق التغيير حتى يتغير الفهم، ولن يتغيّر الفهم حتى يتغيّر نسق الفاهمة وينقلب الذهن، ولكي يتحقق ذلك فلا بدّ من كسر طوق الجمود والتكرار والتّمثّل الزّائف للمفاهيم وللعالم، إطلاق العنان للحذر وتحريض العقل على الانتفاض على كل صنوف المُعاقلات المستنفذة، تمكين العقل من صلاحياته، لأنّ العقل مسؤول عن تغيير نفسه والعالم، أي تطوير فهمه للعالم وتغيير تمثّلاته عن العالم. وفي كل خطوة يخرّ فيها العقل تحت ضربات تاريخ الإحباط والجهل يتوسّل بالحدس، هذا الأخير هو من ينتشل جثّة العقل بعد أن يقع ضحية لانتهاكات مُعاقلاته.
حين نفكّر في سبب ما فعلينا أن نتوقّع ما لا حصر له من الأسباب الكامنة، وحيث قد يكمن السبب في مسببه والعكس صحيح، قد يكون السبب الخارجي قناعاً يخفي أسباباً أخرى برسم خداع الطبيعة، قد يتسبّب البحث والتدخل في استقراء الأسباب في احتجاب السبب وافتعال وجوه يقتضيها الذكاء الطبيعي للدوافع.
إذا ما أخطأنا فهمنا للحركة فلن ندرك أنّ السببية هي الأخرى متحرّكة ونسبية، ولكي نفهم ذلك فما علينا إلاّ حدس الوجود، وبقدر حدسه سندرك أنّ الحركة ليست عارضاً بل هي من ضرورات الوجود المحسّة لأنّها تمسّ الجواهر لا الأعراض فحسب. إذن ليس النهوض بإشكالية السببية هنا في إثباتها أو نفيها بل الفكرة المركزية في استشكالنا هو التّرقّي قدر الجهد في استيعاب المدى السببي بحجم الحركة والوجود، فحين نكبر في تصور الوجود والحركة فحتماً سنكبر في استيعاب مدى وطبيعة الدوافع حيث وجب حدسها وتوقعها واحتمالها، فالعقل الحقيقي هو الذي يعيش وسط معمعان الترقب والاحتمال والتوقع وليس العقل الذي يختار الحسم النهائي مع القضايا طلباً لراح البساطة والتبسيط . فالعقل ليس آلة جامدة بل هو آلة حيوية تحيا كما يحيا الجسد ويقاوم بمناعة كما الجسد ويحدث أن تتراجع مناعته تاريخياً، ومن هنا إن نحن نزعنا منه القدرة على التفاعل مع الحياة سنكون مضطرين للتسليم لنيتشه بأنّ الجسد أذكى من العقل.
كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed