آخر تحديث: 2020-10-29 01:51:45

هل تسبب أنقرة حرباً داخل “ناتو” ؟

التصنيفات: دولي,سياسة

تسير العلاقات التركية ودول حلف شمال الأطلسي “ناتو” نحو توتر غير مسبوق بسبب تباعد الرؤى في جملة من القضايا الكبرى، لكن أكثرها حرارة على القارة العجوز وحلفها، الأزمة بين اليونان وتركيا.
والحال هذه فإن “ناتو” يعيش أوضاعاً قلقة، قد تنذر بما هو أسوأ فيما يخص العلاقات الداخلية بين أعضائه، والسبب هو النظام التركي وممارساته في البحر المتوسط، والتحرش باليونان.
الأمر لم يبق في إطار المناقاشات الحامية الداخلية، بل ظهر إلى العلن، وهذا ما حذر منه مسؤول عسكري سابق في الجيش الأميركي بقوله: “إن المغامرات التركية في البحر المتوسط قد تؤدي إلى اندلاع صراع مسلح داخل حلف ناتو، إذا لم تتدخل الولايات المتحدة بشكل أقوى لاحتواء الوضع”.
وأشار الجنرال المتقاعد توماس تراسك، نائب القائد السابق لقيادة العمليات الخاصة الأميركية، في مقال له بموقع “ناشيونال إنترست”، إلى التحول الحاصل داخل تركيا، فما “كان في السابق شريكاً غربياً علمانياً وديمقراطياً يحرس الجناح الجنوبي الشرقي لحلف شمال الأطلسي أصبح الآن أكثر تطرفاً وقومية واستبدادية”.
وقال تراسك: السمة الأساسية لتركيا هي “تدخلها في شرق البحر الأبيض المتوسط، إذ تطبق نسخة تركية من دبلوماسية الزوارق الحربية”.
واعتبر أن اكتشاف احتياطيات كبيرة من الطاقة تحت البحر يعد “محركاً كبيراً للأطماع التركية في البحر المتوسط، حيث تدخلت أنقرة عسكرياً في ليبيا لإنقاذ حكومة السراج التابعة لتنظيم الإخوان، مقابل الحصول على اتفاقية حدود بحرية تهدف إلى الاعتراف بالمطالبات الإقليمية التركية الواسعة في شرق البحر المتوسط”.
وليس من قبيل المصادفة أن تهدد هذه الاتفاقية كل دول الجوار في البحر المتوسط. فعلى عكس جيرانها، الذين يتفقون على تطبيق قانون البحار، تزعم أنقرة بشكل منفرد أن الجزر اليونانية “لا يمكن أن تكون جزءاً من منطقة اقتصادية خالصة”.
التوترات حالياً بسبب الممارسات التركية تتجه إلى المزيد من الاحتدام، ليس في البحر فقط، بل في أروقة “ناتو”، ولعل قول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “تركيا لم تعد شريكة في المتوسط وعلى الاتحاد الأوروبي التحدث بصوت أكثر وحدة ووضوحاً معها” دليل على عمق الخلافات والشرخ ليس بين باريس وحدها وأنقرة، بل العديد من الدول الأوروبية تقف خلف الموقف الفرنسي– اليوناني.
رد النظام التركي على كلام ماكرون يعكس أيضاً الشرخ، حيث اعتبرت أنقرة هذه التصريحات وقحة وتنم عن فكر استعماري قديم.
لكن الأزمة لا يمكن مقاربتها على أنها خلاف بين دولتين عضوين في حلف واحد بل تشير إلى أن حلف شمال الأطلسي يمر بأزمة بنيوية وانقسام كبير بين أعضائه ما دفع الرئيس الفرنسي لتجديد انتقاداته لحلف “ناتو” الذي وصفه من قبل بأنه بحالة “موت سريري”، ما أثار تساؤلات حول مستقبل عضوية باريس وأنقرة داخل الحلف بعد تصاعد الأصوات الفرنسية المطالبة بالخروج من الحلف، والتشكيك في جدوى وجود أنقرة داخل حلف عسكري لا تلتزم ببنوده، الأمر الذي يهدد استمرارية الحلف.
وكذلك صعدت باريس موقفها ضد أنقرة في أروقة الاتحاد الأوروبي الذي عقد بناء على طلب فرنسي اجتماعاً يوم 13 تموز الماضي حول آفاق العلاقة المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة، وآفاق قبول عضوية تركيا في الاتحاد، وفي ختام الاجتماع لوح الاتحاد بفرض عقوبات على تركيا في حال استمر سلوكها المعادي في شرق المتوسط وليبيا. ولذا فإن الصعوبة التي تواجه باريس في خلافها العلني مع أنقرة، تكمن في أن أكثرية الدول الأوروبية لا ترى خطورة الدور التركي لبعدها الجغرافي عن مناطق النفوذ التركي في جنوب أوروبا ولضآلة مصالحها في ليبيا والشرق الأوسط من جهة أخرى، وهو ليس حال باريس وروما أو أثينا ونيقوسيا وبرلين ومدريد. ولم يدعم الموقف الفرنسي من أنقرة سوى ثمانية أعضاء أوروبيين من الحلف المؤلف من 30 عضواً، لكن تبقى “بيضة القبان” الموقف الأمريكي من أنقرة، فكما هو معروف أن الأوروبيين لن يستطيعوا -وإن تململوا- الخروج من تحت العباءة والمظلة الأمريكية، وواشنطن اليوم ليست في وضع لاتخاذ مواقف حاسمة..
يذكر أن تركيا واليونان انضمتا إلى حلف “ناتو” عام 1952، في سياق الخوف من التمدد السوفييتي غرباً. وفي عام 1954، شكّلت تركيا واليونان معاً حلفا بلقانيا مع يوغسلافيا كان هدفه التصدي للاتحاد السوفييتي، لكن سرعان ما تدهورت العلاقة بين الجارتين مرة أخرى نتيجة الخلاف حول جزيرة قبرص والمواجهات حول بحر إيجة.
وتنص المادة الخامسة من ميثاق “ناتو”، على اعتبار أي هجوم على أي دولة من دوله بمثابة هجوم على جميع هذه الدول، لكن الميثاق لا يحدد ما الذي سيحدث بالضبط إذا هاجمت دولة عضو في الحلف بلداً آخر عضواً في الحلف ذاته.

طباعة

التصنيفات: دولي,سياسة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed