آخر تحديث: 2020-11-24 19:27:04

من قراءة المعلقات العشر إلى تصفّح “بوستات” الفيس بوك!

التصنيفات: ثقافة وفن

اختلفت بانوراما القراءات عند كثير من أصحاب النصوص الجديدة، وظهر من يطالب الكتّاب بقراءة المعلقات العشر أو دواوين الشعراء الرواد قبل الانغماس بالكتابة الشعرية، وكأنه “دقة قديمة” أمام وابل من “الأكشن الشعري” الذي لا يمتلك لغةً ولا صورةً ولا انزياحات من أي نوع كان.. وزاد الطين بلة، تسويق يمتهن أبسط القواعد النقدية من أجل دفع تلك النصوص إلى الواجهة، لنصبح أمام أكوام من الهراء الذي لا لون له ولا طعم أو رائحة!.
ما هي المصادر الثقافية لتلك “النصوص” إذا كان أصحابها لم يقرؤوا الماغوط ودرويش وقباني وغيرهم؟. يقول البعض إن أكثر ما يحرضهم على الكتابة هو تصفّح منشورات الفيس بووك!. ويصفون ذلك على أنه تغيّر حداثوي في المخيلة والذائقة القديمة التي مازالت تقبع بين المخطوطات التي يعلوها الغبار على الرفوف، فليس المطلوب اليوم أن يتبحر الكاتب في الكتب النقدية أو الإبداعية، بل عليه أن يكتب ما يشعر به فقط!. ويزيد كتاب آخرون بأن ما تحدثه لديهم قراءة “بوستات” الفيس الشعرية، يضاهي بكثير ما يمكن أن يحصل إذا قرؤوا مؤلفات فحول الشعراء المعروفين!.
هذه الحقيقة أمر واقع للأسف، ومن دلالاتها حضور قبائل كاملة من كاتبات الأعمدة على صفحات المجلات العربية أو في المواقع الألكترونية من دون أن يمتلكن أي رصيد يذكر، وهو ما يفسر هشاشة النص المكتوب وضعفه اللغوي حيث أخطاء كتابة الهمزات وسواها تملأ ما يفترض أن نسميه “زاوية رأي” في هذا المنبر أو ذاك!.
الأخطاء اللغوية القاتلة في تلك النصوص، تؤكد غياب القراءات لدى كتابها، ولا نطالب هنا بأن يكون الكاتب بمنزلة سيبويه أو المفضل الضبّي، بل نقول إنه لو توفرت القراءات في حدها الأدنى لكانت اللغة استفادت كثيراً وتخلصت على الأقل من الأخطاء الإملائية التي تلاحق أولئك كالوصمة أثناء الكتابة!.
تُرى كيف نكتب نصاً مختلفاً ونحن لا نمتلك معدات صناعته الأساسية وهي اللغة؟ ثم كيف يمكن لنا أن نضيف إلى الذخيرة الشعرية العربية ونحدث فيها التغييرات إذا لم نطلع على تاريخها ونعرف ماذا فعله السابقون كي لا نكرر فعلتهم في أبسط توصيف؟. هل تفسر هذه الحالة انتقال الكتابة من الهمّ العام إلى الشكوى الفردية باعتبار أن أغلب أولئك الكتاب، وهم من فئة الشباب غالباً، يقولون إنهم يكتبون مشاعرهم وانطباعاتهم ويفرغون شحناتهم ليس إلا؟.
العيّنات متوافرة بكثرة في المشهد الكتابي الفيسبوكي ولا يحتاج المتابع إلى كبير عناء لتتبع ما نتحدث عنه، لكن المؤكد أنه إذا ما استمر الوضع على هذه الحال، فإننا أمام تغيرات ليس على صعيد سلامة النص وحسب بل أيضاً على مستوى قواعد اللغة التي باتت مهددة بسبب تبرير الجهل وممارسة التجهيل ومدح النصوص بما ليس فيها!.
يقول أحد “الشعراء” إنه “غير محكوم بالقواعد ولا التصنيفات ولا التراث الشعري، وإنه يكتب نصاً يشبهه من الداخل”!. ولا نختلف مع هذا القول إن بقي في إطار البوح الشخصي غير المقحم في أحد الفنون الكتابية، لكن المشكلة في تحول هذه الحالة إلى ظاهرة شبه عامة تلبس لبوس الشعر ويتم تسويقها على أنها نوع من الكتابة الجديدة!.
في مكان آخر، يهاجم “شاعر” شاب الشاعر أدونيس، مع أنه لم يقرأ ما كتبه صاحب “أغاني مهيار الدمشقي” ولم يقرأ “الثابت والمتحول” و”المحيط الأسود” وغير ذلك من الكتب الإبداعية والنقدية الهامة لأدونيس!. وهنا نحن أمام صاحب نصوص هزيلة مليئة بالأخطاء والتكرار ولا تخول صاحبها بمحاولة قتل الأب إبداعياً، فيشاء أن يقتله عبر القدح والذم والاتهام بأنه من الساعين إلى نيل جائزة نوبل!.
سنشاهد بأن الاستسهال سمة المشهد، وقد سوّغ ذلك أو تهاون معه، الخطاب النقدي غير المسؤول الذي يمارسه أصدقاء “الكاتب” المروجون لهذا النوع من النصوص والمواقف.. ونقول لهم: نتمنى منكم تجاوز الآباء جميعاً، شرط أن تكتبوا نصاً خالياً من الأخطاء اللغوية كأضعف الإيمان!.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed