عن هواية.. كانت ذات حين

صحيحٌ إنّ ما يصدر من تقارير عن هيئاتٍ أممية بشأن حال القراءة والترجمة في العالم العربي؛ تبدو صادمة لحد الوجع، وتُطلق السؤال الحارق: كيف يُقضي “العربيُّ” وقته؟!! وما هي الكتب التي يكتفي بها زاداً لقراءته؟
لكن لو عدنا تقليباً في صفحات العرب؛ فإنّ ثمة هوايات كانت للعربي تقول عكس ما وصل إليه الآن، فما الذي أوصل أمره في القراءة لمثل هذه الحال التي يُرثى لها؛ فها هو “ريسلر” – على سبيل المثال- وهو من كبار الباحثين الذين رصدوا الحركة العلمية عند العرب يقول في كتابه (الحضارة العربية): عجبت لهذا الفارس العربي الأمي كيف كان ينزل عن صهوة جواده، فيدفع خرجاً من ذهب, وهو كل ما يحمله, ثمن مخطوطة واحدة!
إشارة ريسلر السابقة؛ كانت لهواية قديمة، وهي (جمع الكتب) وتخزينها، والتي لها يعود الفضل في إقامة صروح مكتبات الخلفاء والوزراء والأمراء.. حيث ظهرت حماسة لافتة في تلك العصور في نسخ الكتب وتصنيفها لحساب المشغوفين، وكانوا ينالون عليها الجوائز الباهرة. ومما يُشير إليه كتاب “فوات الوفيات” في هذا المجال أن المستعصم بالله انتقى لمكتبته كاتبين من أشهر خطاطي بغداد، يكتبان ما يختاره، فيما كان ابن مقلة يختص بخزانة سيف الدولة، وابن البواب الذي التحق بخدمة مكتبة البويهيين المشهورة بشيراز التي أغناها بما نسخ من كتبٍ كثيرة. وكان هواة جمع الكتب يفضلون مخطوطة المؤلف الأصلية عن المنسوخة، وبرز في هذا المجال”إبراهيم بن جماعة” الذي جمع الكتب بخطوط مصنفيها كما يروي ابن حجر في كتابه “الدرر”. ويذكر ابن خلدون في كتابه “العبر”، إنه من أجل الحصول على نسخة من كتاب “الأغاني” دفع الحكم الأندلسي لأبي فرج الأصفهاني ألف دينار. فيما أفرد الأمير سيف الدولة في حلب مجالس خاصة للكتاب والنسّاخ والمؤلفين وغيرهم.. وكان من عادة كبار الأثرياء من جامعي الكتب؛ إنهم يدخلون المؤلف في خدمتهم بحيث يكون إنتاجه كله لمكتبتهم الخاصة، وهكذا اشتغل الفارابي عند الساسانيين وابن سينا لدى علاء الدولة. وفي “دائرة المعارف”؛ إن الناصر الأموي الأندلسي بعث إلى الخليفة العباسي من بغداد بهديةٍ من الكتب بلغت ثلاثمئة مجلد كتبت جميعها بخط نفيس. فيما لاتزال ثمة حكاية تدور حول (يمين الدولة ابن سبكتكين) التي تروي إنه كان يحضر علماء من سائر البلدان ويطلب إليهم تأليف الكتب باسمه
غير أنه – وعلى ما يبدو- كما كانت حالة فردية لهواة سواء كانوا أمراء أو عوام؛ فقد بقيت هواية جمع الكتب إلى اليوم فردية، وإن كنت أشك اليوم في أنه كان ثمة (أمراء”)يفعلونها!!

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار