آخر تحديث: 2020-10-30 04:41:40

(على ضوء المصباح الوحشي) ثائر زين الدين يقرأ العلاقة بين الشعر والتشكيل

التصنيفات: ثقافة وفن

كأنّ الزمانُ يُعادْ
كأنّ جمارَ الضغائن
لمّا تزلْ تتأججُ تحت الرمادْ
وها إنني الآن أبصرُ
وجه فتىً
يتقدمُ أقرانه
وهو يصرخُ فيكم
وقد شرّعَ الصدر
أطلق نحو السماء يديه
جناحين
لستُ أخافَ بنادقكمْ
ما تقدم مقطعٌ من قصيدة طويلة للشاعر والناقد والمترجم ثائر زين الدين؛ بناها من إيحاء لوحة تشكيلية اسمها (الإعدام رمياً بالرصاص)، للفنان الإسباني الشهير فرانشسكو دي غويا (1714-1828)، والتي رسمها سنة 1814 على وجه التقريب، وهي اليوم من مقتنيات متحف البرادو في العاصمة الإسبانية مدريد.
هذه اللوحة التي كانت أيضاً ألهمت الكثير من الشعراء كالدانمركي كنودس، وفالتر بارو لأن يكتبوا من وحيها النص الشعري المُعادل؛ كانت هذه اللوحة أيضاً الباعث البحثي للدكتور زين لأن يُصدر كتاباً بحثياً وقراءة نقدية أقرب إلى شغل الموسعات في متابعة تأثر الشعراء بالفنون التشكيلية المُختلفة من نحتٍ وحفر وتصوير، وكان حصاده في ذلك عشرات القصائد في مشرق العالم، وغربه، جنوبه وفي شماله، قصائد كان الوحي فيها تكوينات في لوحة فنية، أو تجاورات لونية في أخرى، أو تكوير نحتي في منحوتة أو تمثال من مرمر أو رخام، أو برونز يُشغل الفراغ في متحف، أو في ساحة، وحتى رسومات جدارية في جامع، أو كنيسة، أو معبد هندوسي قديم.
ذلك ما لاحقه بلا هوادة الناقد الدكتور زين الدين في كتابه القيّم الصادر مؤخراً عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة بعنوان (ضوء المصباح الوحشي – عن الشعر والفن التشكيلي).. مُفصلاً في هذه الدارسة تأثير اللوحة في الشعر، أو كيف شكّل الشعراء لونياً ونحتاً وحفراً اللغة لإنشاء وعمارة المُعادل الشعري للعمل التشكيلي، تاركاً (العكس)، أي كيف كان وقع القصيدة على اللوحة، أو كيف بنى الفنانون التشكيليون عمارتهم الفنية والمُعادل التشكيلي من القصيدة، ربما لدراسة أخرى، أو ربما يقومُ بها فنان تشكيلي كان للقصيدة وحيها الذي بنى وعمّر من خلاله أكثر من عمل تشكيلي..
وهذه الدراسة ليست غريبة عن شواغل الدكتور ثائر زين الدين؛ فللرجل في هذا المجال ما يُشبه قصب السبق، أو قل المُفارقة عن السائد في النقد، وذلك في قراءة النصوص الإبداعية أيّاً كان نوعها تشكيلياً وبصرياً، وله في هذا المجال أكثر من محاضرة وبحث وكتاب، وهنا أذكّر بكتابيه الرائعين:(تحولات شجرة الزيزفون الضائعة – عن الرواية والفن التشكيلي، وأمل دنقل- دراسة ومختارات).
وفي (ضوء المُصباح الوحشي) الذي يشتق اسمه من تفصيل، أو تكوين لوني من لوحة غويا (الإعدام رمياً بالرصاص)؛ يتناول زين الدين ستة محاور، وجميعها تُفصّل في كيفية استلهام الشاعر العمل التشكيلي لصياغة قصيدة مُعادلة، أو تكون باعثاً جمالياً لصياغة إبداعية مُختلفة، ربما باستثناء المحور الأخير (الشاعر… فناناً تشكيلياً)، وهو – من وجهة نظري- أجمل محاور الكتاب، وخلاله يبحث الناقد في القصيدة التشكيلية التي يبنيها، أو يصيغها الشاعر كلوحة تشكيلية ملونة، أو كعمل نحتي، أو ما أطلق عليه (الرسم بالكلمات).. هنا حيث يطمحُ الشاعر إلى التعامل مع قصيدته، أو مع الورقة البيضاء التي سيكتب عليها كما يتعامل الفنان التشكيلي مع لوحته، مع قطعة القماش التي سيرسم عليها العمل الفني، بل يسعى الشاعر للتعامل مع القصيدة برؤية الفنان التشكيلي، وبفهمه لكيفية بناء العمل من استخدام للون والمهارة في وضعه على السطح المستوي أمامه.
فيما كانت المحاور الأولى حول: الأعمال التشكيلية تُغذي خيال الشاعر بصورة مُباشرة، وقصيدة العمل التشكيلي، والشاعرُ يستلهمُ الفنان التشكيلي، ويُوظف أعماله في القصيدة، والشاعرُ يستلهمُ موضوع (الرسم)، وأخيراً القصيدة البصرية.
وهنا للتذكير فقط بهذه القصيدة القديمة لشاعرٍ عربي:
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن
تحملن بالعلياء من فوق جَرثمِ
جعلن القنان عن يمينٍ وحزنهُ
وكم بالقنان من محلٍّ و محرم
وعالين أنماطاً عتاقاً وكلّةً
ورِاد الحواشي لونها لون عندم
ذلك بعض ما رسمه بالكلمات شعراً، الشاعر زهير بن أبي سلمى، في تصويره رحلة الظعائن، خلال تنقلات القبيلة من مرعى إلى آخر، ومن نبعٍ إلى نبع، والتصوير، أي بلغة هذه الأيام “التشكيل” كان مهمة جمالية، يقعُ عبء تجسيدها على الشاعر، الذي كان إلى حدّ كبير، فناناً تشكيلياً، لكن ليس بالألوان والريشة، وإنما سيقدم مشاهده بالكلمات، وغير زهير بن أبي سلمى، سنعثر على عشرات الشعراء الذين قدموا مشاهدهم التصويرية رسماً بالكلمات، بل إنّ جميع الشعراء، وتحديداً خلال فترة قبل الإسلام، مارسوا هذا النوع من التصوير.

أي إن الشعر، وباعتباره “الصيغة الجبرية الأسمى للاستعارات” كانت له هذه الامتدادات باتجاه الأجناس الإبداعية الأخرى، ومن ثمّ كانت هذه الحالة من التعالق بين القصيدة واللوحة، فإذا كان من مهام القصيدة، ولا تزال بالتأكيد، تقديم لوحة ملونة بالكلمات، غير أنه جرى- وعلى مدار عقود من السنين مؤخراً- نوع من “الإلهام” المتبادل بين اللوحة والقصيدة، الأولى – القصيدة – تقدم ألوانها بكل شاعريتها، والثانية – اللوحة – تقدم شاعريتها بكل ألوانها، ومن ثم كان هناك عشرات المعارض، والكتب التي أقيمت، أو أصدرت، مشى خلالها الشعر والتشكيل متجاورين، حتى إن ثمة تجارب أخرى كان خلالها الشاعر هو نفسه فناناً تشكيلياً، أو بالعكس، وهنا تبدو تجربة الشاعر أدونيس المثال الأوضح في هذا المجال، سواء كشاعر تشكيلي، كان له شغله اللوني ومعارضه التشكيلية إلى جانب القول الشعري، أو مساهماته العديدة بالمعارض والكتب الشعرية التشكيلية, ونُذكر هنا تجربته مع الفنانين التشكيليين: زياد دلول، وعلي مقوص، وآخرين غيرهما.
ورحلة التشكيل مع النص السردي، سواء كان شعراً أو نثراً، ليست جديدة، ولعلّ أقدمها في هذا المجال، ما لونّه الواسطي لمقامات الحريري، ذلك الكتاب ذات الصيت الذائع، الذي دشّن عصراً من فنون المنمنمات الشهيرة, تلك الرسومات التوضيحية، التي تزيّن المخطوطات ونتخيل شكلها الصغير، وهي مهرجانات من الألوان في صور يفصلها عن بعضها صفحات مكتوبة، رغم أنها ظهرت قبل الإسلام، ولها مقاربات في الصين والهند، غير أن ما يُقابلها في الطرف العربي يفوقها جماليات تشكيلية، وذلك على يد يحيى بن محمود الواسطي، بصفته واحداً من مصوري مقامات الحريري.
في مبحث (قصيدة العمل الفني)؛ يذكر زين الدين؛ إننا هنا نجد أنفسنا أمام قصيدة موضوعها ومادتها ورؤاها مستوحاة من عمل فني تشكيلي مَلَكَ على الشاعر نفسه؛ فجاءت القصيدة مُعادلاً لغويّاً بيانيّاً للعمل الفني، وفي هذا الفضاء وجد عشرات الأمثلة تبدأ من العصر الإغريقي وما قبله، وتمتدُّ إلى اليوم، فنصبُ (فينوس ميلو) على سبيل المثال؛ ينتمي زمنياً إلى القرن الأول قبل الميلاد، وهو موجود في متحف اللوفر اليوم في باريس، وهو يُصوّر أفروديت إلهة الحب عند اليونان، فقد حظي هذا العمل باهتمام كثيرٍ من الشعراء، منهم: الألماني فيلهيلم فايبلنجر، والروسي أفاناسي أفاناسيقيتش فيت، الإيرلندي ويلفرايد سكاوين بلنت، والسوري عمر أبو ريشة، وغيرهم..
ومثل فينوس؛ كانت لوحة (الموناليزا) لليوناردو دافنشي، فهي أيضاً واحدة من أكثر الأعمال الفنية التي أغوت الشعراء بالكتابة عنها منهم على سبيل الذكر: الإيرلندي إدوارد دودن، الإنكليزي والترهوراشيو باتر، والإنكليزيتان أيضاً كاترين برادلي، وأديث إيماكوبر، والتشيكي ياروسلاف فرشليكي، والإسباني مانويل ماتشادو، والسويسري غوستاف فرود ينغ، والألماني هرمان كلاوديوس، والإيرلندي توماس مكجريفي، وغيرهم كثيرون أيضاً..
يقول ياروسلاف فرشليكي:
موناليزا
ابتسامة مُفعمة بسحر السّر
فيها الحنان والجمال
أتراها تغوي
أم تُهلل لانتصارها
حيث يذكر زين الدين؛ إنّ أغلب النصوص المُستلهمة من هذه اللوحة؛ كانت تتحدث عن ابتسامتها اللغز وقراءة هؤلاء الشعراء لها، أو قد تتحدث عن وضعيتها؛ حركة يديها، وقليلاً ما كان الشاعرُ يذهب أبعد من ذلك، وهنا نذكرُ أيضاً لوحة الـ(جيرينيكا) التي رسمها بيكاسو، ولوحة (جان دارك)، وحتى تمثال الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب مُقابل شط العرب في البصرة جنوب العراق الذي نفذّه وصممه النحات العراقي نداء كاظم؛ فقد ألهم هذا التمثال عدداً غير قليل من الشعراء فكتبوا نصوصاً بعد زيارته وتأمله وقراءة تجربة صاحبه الشعرية والإنسانية.
في البحث الثاني يقرأ الباحث كيف استلهم الشاعر الفنان التشكيلي، وكيف قرأ أعماله الفنية، ومن ثمّ كيف وظفها في القصيدة، بمعنى أن القصيدة قائمة على مختلف تنويعات الفنان التشكيلي الفنية والحياتية، وليس على عمل واحد، وفي هذا الفضاء يستحضرُ النقاد عدداً غير قليل من التجارب الشعرية لدراستها، منها مثلاً تلك القصيدة للفرنسي بودلير التي تحمل اسم “منارات” وفيها يُقدم بودلير نخبة من الفنانين التشكيليين على أنهم جسر التواصل بين البشرية والسماء، وإذا كنا نجد من النصوص الشعرية ما عُرف من استلهام لوحة مُعينة أو تمثال، أو حتى تجربة فنان تشكيلي بعينه، غير أن ثمة طائفة من الشعراء قد استلهمت الفن عموماً، أو موضوع الرسم بصفته موضوعاً للقصيدة كما فعل الشاعر القرغيزي\السوفييتي بولات أكودجافا من خلال قصيدته “كيف تتعلم الرسم”، وأما القصيدة البصرية برأي زين الدين؛ فهي تلك القصيدة التي لا يكفي أن تستمع إليها، بل لابدّ لك من أن تنظر إليها، وكيف كُتبت، بل رسمت.. إنها قصيدة تعتمد على توظيف حاسة البصر ليس فقط للقراءة، بل لمُتابعة طرائق تشكلها ونظام توضع مفرداتها وإشغالها لمساحة الورق بما يُحقق غايات فنية وفكرية محددة.

ومثال على هذه القصيدة ما قاله السوري كمال أبو ديب، أو بالأحرى ما رسمه:
غااااا بة من الجذووووع
تمشي
دون ساقين
لآمتي
س
ا
ق
و
ا
ح
د
ة
وسط الجسم
عليها تركضُ
وتعررج

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed