آخر تحديث: 2020-10-30 04:41:40

الروائية مريم المُلا لـ«تشرين»: الأدب ليس حارساً يسمح للرجال بالدخول ويمنع النساء!

التصنيفات: ثقافة وفن

قال عنها الراحل الكبير حنا مينه إنها “تمتلك قدرة على التشويق وجذب القارئ بطريقة سردها. يتصاعدُ إيقاعُ الرّوي عندها كما لو أنك تسبحُ في ماءِ غمامةٍ بيضاء أو تنهمرُ عطراً مع الندى في الصباح”.

وكتب عنها الناقد السوري نوّاف اليونس: “تعتمد الروائيةُ مريم الملا على التجريب والمزج بين جنسين أدبيين هما الرواية والمسرح لتستغني عن السرد متكئةً على الحوار المسرحي المحرّك لدرامية الأحداث بعيداً عن الخطابية والمباشرة”
ويضيفُ: “إنها محاولتها التجريبية الجريئة في كسر المألوف والتقليدي بشكل جاد وصادق يضعنا على عتبة عالم جديد في خريطة الرواية العربية”.
كان لوالدها دورٌ مؤثّر في إحاطتها بعالمٍ سحريٍّ من كتب الأطفال ومجلات الكرتون المصوّرة. وجعلتها السينما- خاصة تلك الأفلام التي كانت تشاهدها برفقة الأهل في سينما “بيبلوس” تختبرُ عمقَ تعاطفها مع البشر أينما كانوا على اعتبارهم شخصيات روائية واقعة تحت شرطٍ وجوديّ واحد على كوكبٍ اعتادتْ أنْ تتأملَ تفاصيلَه الطبيعية في بتلاتِ وردة أو في رفّة جناح الطير أو هدير الموجٍ أو هدأة النسيم.
تفاصيلٌ دوّنتها مرةً عبر كتاباتها الصحفية ومرّةً خبّأتها في وجدانها لتحولها لاحقاً إلى رواياتٍ مخبوزة على نار لهفتها بأمومتها لابنتها البِكر فكانت روايتها الأولى “أمومة وغربة” ثم “الليل الأبيض” عام 2002 و”شجرة التين” 2003 و”زمن الصبر” و”رسائل بحار فلسطيني” وغيرها الكثير، حيث صقلت تجربتها الروائية بجرأة بحّارٍ يخوض تيارات أعالي البحار.
إنها الكاتبة مريم مُحيي الدين المُلّا. بنتُ دمشق (1963) المقيمة في الإمارات. والتي لا تزال تعمل في الصحافة والتلفزيون وإعداد الأعمال الدرامية والكتب التوثيقية… وإليكم حوار “تشرين” معها:
* يحضرني حين أقرأ رواياتك وكتبك السؤال التالي: هل هناك وجود لأدب أنثوي في مقابل أدب ذكوري أم إنّ الأدبَ أعمق وأشمل من أن يُحصَرَ ويُحشَرَ في مصطلحات “جِندرية” كهذه؟

الأدب لم يجلس يوماً على ناصية شارع أو عند باب مدينة أو في مقهى وجعلَ من نفسه حارساً علينا ليقول لنا: الرجال تدخل والنساء لا تدخل. بل على العكس تماماً فالأدب بكل أجناسه برأيي يشبه السفينة التي يسافر على متنها كلّ موهوب يبحر ليثبت موهبته كيفما يشاء، ويحقّ لكل إنسانةٍ موهوبة القفزَ من على ظهر السفينة والسباحة لتثبت مهارتها. الموهبة لا تفرّق بيت أدبٍ ذكوري وأدب نسائي لأن الأدب أعمق بكثير من أن يُحصر في مصطلحات كهذه نحن لسنا بحاجة إليها.

* يستهويكِ على ما يبدو أسلوب السرد الحكائي بمعنى هناك خط سير واضح للقصة المروية (بداية ووسط ونهاية) بعيداً عن التأملات الفلسفية داخل جسم النصّ أو عن أسلوب “الشذرات”… هل هو خِيار مقصود كبصمة دائمة لكِ أم ستكون هناك نقلة مغايرة؟

البصمة المميزة هي التي بحثتُ عنها وجعلتُها هويتي وسأبقى أبحث أكثر وأكثر. أو بمعنى أدق اجتهدتُ كثيراً على أن يكون أدبي بسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه لكن ليس معقداً. فهناك فرق كبير بين العمق والتعقيد وقلمي ليس بعيداً عن التأملات الفلسفية لأنها مهمة في العمل الأدبي والروائي خاصة. ما أكتبه من أدب ليس عليه أن يكون مقيداً ببداية ووسط ونهاية أي ليس عليه أن يكون تقليدياً. وهنا لا بد من أن أعترف بأنني مغامرة كبيرة في التجريب سواء في اختيار موضوع الرواية أو في طريقة طرحها أو طريقة سردها ونهجها لأنني لا أجد ضيراً في التجريب مع توخي الحذر. وفي نفس الوقت اسمح لي أن أوضّحَ أنّ ذلك كلّه يحتاج إلى شجاعة كبيرة وأعتقد أنني أمتلكها.
أما عن النقلات فهي موجودة فتارةً تراني أكتبُ في الخط الرومانسي وتارة في التراثيّ ثم التاريخي وأحياناً في البيئة البدوية وفي السير الذاتية والشعر والقصة القصيرة. ولعلّ من المفيد هنا الاطلاع على ما أشار إليه أحد النقاد السوريين المهمّين في زاوية له في صحيفة الخليج عنوانها “التجريب وخطورته” مشيراً إلى عملي الروائي الثالث “شجرة التين”.

* ما الذي أضافه الترحالُ أو السفر إلى تجربتك الشخصية والأدبية؟ هل علّمك النسيانَ والقسوةَ أم زادكِ رقّةً ورهافة أسلوب؟علي الراعي:
يقولون: “الحياة أكبر معلم” وأنا أضيف: الغربة أكبر جامعة والسفر والترحال أكبر دكتوراه يحصل عليهما الإنسان في هذه الحياة. وقبل أن أخوض في الجواب عن سؤالك اسمحْ لي أن أقول لك إن الغربة تصهر الإنسان كما تُصهر المعادن، وبعد صَهْره تضعُه في طرقات وأحداث وأشياءَ لا تخطرُ على بال. الغربةُ هي التي تعلم الإنسان القسوة والنسيان وتجعله يعرفُ ذاته، لكنها أيضاً تجعله يدرك معنى الاغتراب عن الوطن والأهل وكل تفاصيل حياته التي عاشها سابقاً لتصبحَ ذكريات وحنيناً موجعاً. صعبٌ جداً هذا الشعور. أما السفر والترحال والتنقل فإنهم يهذّبون الروحَ. هم حالة مؤقتة سرعان ما تعود منها إلى مكان إقامتك. نعم السفر زرعَ في أعماقي أشياء كثيرة جميلة منها الرقة والعاطفة الشديدة ورهافة الحس وزاد من معرفتي واطلاعي على ثقافات أخرى ومدن أخرى فيها تراثٌ مختلف ونادر.
* قد لا تنتمي روايتك “رسائل بحّار فلسطيني” إلى أدب المراسلات التي تمّت بين أدباء وأديبات مشهورين… لكن اعتمادك شكلَ الرسائل بين بطلة الرواية (سماء) والبحّار (ثائر) يبدو كذريعة لتقولين من خلال هذه اللعبة الروائية الجزءَ المخفي من وقائع حقيقية… أين برأيك يبدأ التخيّل الروائي وأين ينتهي الواقع؟ أم إنّه كلما كان العمل الأدبي رغم غرابته أقربَ إلى الواقع كلما اكتسبَ “حقيقيته” أكثر؟
هي ليست ذريعة بل نهجٌ يُخالف أي كاتب أو كاتبة كتبتْ قبلي. وهذا يعيدنا للجواب الثاني عن التميّز والتجريب المتفرد. أنا لا أتّبع نهجَ أحد، فأدب المراسلات له قيمة إبداعية مهمة لأنها تكشف عن الذات والواقع ولا أعتقد أن هناك شيءٌ مخفيٌّ في روايتي “رسائل بحار فلسطيني” بل على العكس وهذا هو العمل الروائي الثاني لي الذي كتبته من الواقع تماماً لأن العمل الأول كان بعنوان “أمومة وغربة” دونتُ فيه تفاصيل أمومتي مع طفلتي لحظة بلحظة منذ أن كانت جالسة بجانب كبدي الذي رآها قبل أن تراها عيوني إلى أن جاءت إلى الحياة وأصبحت في سن 12 عاماً.
لكن تستطيع القول إن اللعبة التي لعبتها في “رسائل بحار فلسطيني” جاءت مصادفة دون تخطيط مسبق. كنت قد قررت أن أكتب حياة هذا البحار وحدَه وجهّزتُ العمل على هذا الأساس وعند نهايته بالكامل شعرت أن هناك شيئاً أريد قوله فقررت أن أكتب له ردوداً واقعية كنت أعيشها في نفس اللحظة والتاريخ الذي يُراسلني به. ثم سرعان ما تراجعتُ وكتبت له عن حياتي وطفولتي الحقيقية التي لا يعرفها أحد إلا أهلي. من هنا جاءت غرابةُ العمل أو هذا الإحساس بأنه تخييليٌّ وواقعي معاً لأنه أظهر الواقعَ والحقيقة فعلاً، في حين لم يكن فيه إلا القليل من الخيال!
* في إصدارك الأخير “هذه حياتي” التي تناولتِ فيها مسيرة حياة الفنان عبد الله الأستاذ صاحب التجربة الغنية بأعماله المسرحية والإذاعية وأفلام الكرتون المخصصة للأطفال والتي تمت دبلجتها إلى اللغة العربية مثل “الليدي أوسكار” و”الدكتور دايتون” و”الحوت الأبيض”… غُصْتِ أكثر نحو طقوس وعادات وتقاليد البيئة الكويتية ومن المعروف أن كتاباً يجمع بين التوثيقيّ والسيرة الذاتية يحتاج إلى مجهود كبير وأسلوب عمل مختلف… كيف تمَّ ذلك ولماذا قرّرت خوض هذه المغامرة؟

نشرتُ في عام 2017 “الثلج الحزين” وهي سيرة ذاتية لحياة والدي رحمه الله. لكنها تختلف تماماً عن سيرة الفنان الإماراتي “عبد الله الأستاذ” لأن أبي هو أبي الذي عشت معه وتشربت منه وأعرف كل شي عن حياته وشخصيته وفكره وعمله… الخ لكن المغامرة كانت فعلاً مع الفنان عبد الله لأنه صديق وليس قريب وكان العمل يحتاج لتفكير وتخطيط مسبق عكس ما حدث معي في “رسائل بحار فلسطيني” كما أشرت سابقاً. في الواقع الفنان عبد الله الاستاذ أعطاني ملفاً يحتوي على قصاصات من صحف قديمة تناولت أعماله الفنية كلها تقريباً وطلب مني أن أقوم بالاطلاع عليها والكتابة عنها، وبعد أن غُصتُ في هذا الأرشيف الغنيّ بدأت أنسج في خيالي وأرسم خريطة سير لكل ما أفكر به، وأسجل عليها التواريخ والأماكن والمدن… إلخ. ووجدت أن أفضل شيء يمكن أن أفعله هو أن أعطيه حقه كاملاً، فهو أسّس وبنى وغامر واجتهد كثيراً، وذلك لن يكون إلا إذا تناولت حياته كاملةً من التفاصيل الشخصية و الأسرية والعملية ومكنوناته وصفاته وفكره ومبادئه وأخلاقه وحتى عمله البعيد عن الفن. كل ذلك دمجته مع أعماله الفنية التي قدمها سواء كانت مسرح أو تلفزيون أو إذاعة أو رسوم أطفال. ولم أحصر عملي ذلك في دولة الإمارات بل انطلقت إلى دولة الكويت التي درسَ وعاش طفولته بها وشبابه الأول وتوسعت في بيئتها وتراثها وأماكنها من 60 عاماً مضت وركزت كثيراً على علاقته بوالديه واهتمامه بهم حتى رحيلهم وهذا ما جعل الجانب الإنساني يطغى على الشكل الفنّي والأدبي للعمل. بصراحة كان عملاً متعباً جداً يحتاج إلى الدقة والمهارة والإخلاص.
* هل تحضّرين عملاً جديداً عن مدينتك الأثيرة دمشق؟
ليس حتى اللحظة. لأن سورية بمجتمعها وبيئاتها وطوائفها وأحزابها وكل ما تتخيله سبقَ وجمعتهم في عمل روائي نشرته عام 2010 في مصر. تناولت فيه سورية ومصر ولبنان وفرنسا حصراً في عام 1956.. لم تكن دمشق حبيبتي هي الوحيدة الحاضرة بل كانت حلب الشهباء، وحمص الجميلة، واللاذقية الساحرة، ومدينة الدركيش الهادئة، وصيدنايا التاريخية أيضاً كما يقتضي الخط الروائي. كما أن هناك ذِكرٌ لأحياء وأماكن دمشقية مثل: حي ساروجه، وحمام نور الدين، وحي أبو رمانة، وحي باب توما، وحي القصاع مع جولة على سوق الحميدية ومقهى النوفرة ومقهى الهافانا، ونادي الشرق وسينما “روكسي”، واهتمامٌ بشخصيات سياسية وعسكرية مثل: خالد بك العظم وزير الخارجية والعقيد ركن مجاز عدنان المالكي الذي استشهد في تلك الفترة، والسفير المصري في دمشق آنذاك محمود رياض… وغيره من الشخصيات الحقيقية والشخصيات المتخيلة. كلهم حاضرون في مزيجٍ عطريٍّ أحببت أنْ يكونَ مثل طوق ياسمين على جِيد دمشق الأثيرة والآسرة. كان ذلك هو العمل السادس من بين أعمالي الروائية الطويلة وأسميته “حدائق النار”.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed