آخر تحديث: 2020-10-20 02:36:27

الماركسية وفلسفة اللغة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

اكتسبت المسائل المتعلقة بفلسفة اللغة أهمية متنامية واستثنائية في الفكر الماركسي، نستطيع القول إن المنهج الماركسي، ومن بين مجالات التقدم العلمي المختلفة، يرتكز إلى حد بعيد على إيجاد حلول لمسائل فلسفة اللغة، ولا يمكنه الاستمرار والتطور من دون توفير القاعدة اللازمة لعمليات الاستكشاف ووضع الحلول لها.
في هذا المقام نشير إلى أن المبادئ الأساسية للنظرية الماركسية كإيديولوجيا تقوم على دراسة المعارف العلمية، والأدبية، والدين وعلم الأخلاق، وهذه المجالات جميعها مرتبطة بشكل وثيق بمسائل فلسفة اللغة.
إن أي منتج إيديولوجي ليس جزءاً من الحقيقة الطبيعية أو الاجتماعية فحسب، فهو يمتلك خواص مادية كأي جسم، أو وسيلة إنتاج أو منتج، بمعنى أنه قابل للاستهلاك، لكنه يتميز عن هذه الظواهر بأنه يعكس مستوى آخر من الحقيقة خارج ذاته. فكل ما هو إيديولوجي، يتمثل بأوصاف وحقائق خارجة عن ذاته، بعبارة أخرى كل ما هو إيديولوجي له دلالة، ومن دون الدلالات لا توجد إيديولوجيا.
لكن أي جسم مادي يمكن استيعابه (استقباله) على شكل صورة، وهنا يغادر هذا الجسم طبيعته المادية الجامدة ويتجسد على شكل دلالة فنية أو رمزية تصبح مرتبطة به ومتضمنة فيه، وفي هذه الحالة يتحول هذا الجسم المادي إلى منتج إيديولوجي.. يتحول إلى دلالة من دون أن يفقد شيئاً من كونه مادة جامدة، لكن هذا الجسم المادي سيعكس أو يمثل -إلى حد ما- حقيقة أخرى خارجة عن ذاته.
ينطبق ذلك على أدوات الإنتاج، إن أي أداة خالية من أي معنى بذاتها، هي ليست سوى وسيلة لتنفيذ مهمة أو عدة مهام في سياق عملية الإنتاج، أي إنها تقوم بالدور الذي صُممت لأجله من دون أن تحمل أو تمثل معنى أو حقيقة أخرى. ووسيلة الإنتاج -الأداة- يمكن تحويلها إلى دلالة إيديولوجية كما هو الحال في «المنجل والمطرقة» اللذين تحولا إلى رمز للاتحاد السوفييتي، كما أصبحت أي صورة لهاتين الأداتين معاً تحمل معنىً إيديولوجياً صرفاً.
يمكننا استخدام أي أداة إنتاج بنفس الطريقة فتتحول إلى رمز إيديولوجي، وهذا الاستخدام مستمر منذ اخترع الإنسان الأدوات، فكثيراً ما نجد رسومات وتصاميم على الأدوات المكتشفة من مرحلة ما قبل التاريخ. رغم معاملتها كدلالة إلا أن الأداة لن تصبح يوماً دلالة بذاتها ولكن بالأفكار المتكونة حولها.
من الممكن، أيضاً، تعديل أي أداة بشكل فني بحيث يتناغم هذا التعديل مع وظيفتها في العملية الإنتاجية لكنه في الوقت نفسه يكتسب بعداً دلالياً مستقلاً (المحراث رمز للزراعة، الجرار رمز لمكننة الزراعة) ما يخلق نوعاً من الالتحام بين الأداة ودلالتها. لكن علينا أن ننتبه هنا إلى أنه، ورغم هذا الالتحام، يبقى هناك خط للفصل بين المفهومين؛ فالأداة نفسها لا تصبح دلالة وبنفس الوقت لا تتحول الدلالة إلى وسيلة إنتاج.
ينطبق المبدأ نفسه على أي بضاعة فيتم تحويلها إلى رمز إيديولوجي، فعلى سبيل المثال الخبز والنبيذ اللذين تحولا إلى رمز ديني في طقس «المناولة» المسيحي، مرة أخرى علينا أن نؤكد على الفصل المفاهيمي، فالخبز يبقى مادة يتم تداولها واستهلاكها. وكذلك النبيذ لكنهما معاً داخل الكنيسة يتحولان إلى دلالة دينية مسيحية، ويمكن صناعة الخبز بشكل معين فيتحول إلى رمز ديني يهودي.
الدلالات إذاً أشياء مادية، وكما أسلفنا فإن أي عنصر طبيعي، أو تقني أو استهلاكي، يمكن أن يصبح ذا دلالة، ويكتسب خلال عملية التحول معنى يتجاوز خصوصيته المادية. ببساطة الدلالة غير موجودة كجزء من الواقع لكنها تعكس واقعاً أو حقيقة أخرى.
وهذه الدلالة قد تعكس الواقع بشكل مشوه أو مجزوء أو من وجهة نظر أو موقف معينين. كل دلالة معرضة لتقييم إيديولوجي (سواء أكانت جيدة أو خطأ، أو صحيحة، عادلة، سيئة..) ويتوافق أفق الإيديولوجيا مع أفق الدلالة بحيث يساوي أحدهما الآخر ففي كل مرة تظهر إحداهما تظهر الأخرى أيضاً. كل ما هو إيديولوجي له قيمة رمزية (سيميائية).
(إذا رأيت المطرقة والمنجل فإنك تعلم أن الشيوعيين موجودون، وإذا رأيت لافتة للحزب الشيوعي فإنك ستبحث عن المطرقة والمنجل، المتدين سيقيم الدلالة سلباً، أما الشيوعي فسيقيمها إيجاباً)

لا بد من الإشارة هنا إلى أن كلاً من المثالية والنفسية تغفلان حقيقة أن الفهم نفسه يبرز من خلال مجموعة من العلامات الرمزية (مثلاً؛ الحوار الداخلي) حيث تتم المزاوجة (الملاءمة) بين الدلالات عندما يبرز الوعي ويصبح حقيقة ماثلة من خلال المعاني التي تجسدها الدلالة. إن فهم دلالة ما، عبارة عن عملية مقارنة هذه الدلالة بالدلالات الأخرى المعروفة، بعبارة أخرى عملية الفهم هي استيعاب الدلالة ضمن منظومة من الدلالات. (إن فكرة الثورة كما تبرزها القبضة المشدودة تتناقض ما بين الثورة الكوبية مثلاً وثورات أوروبا البرتقالية، لذلك لا يمكن الاعتماد على دلالة القبضة المشدودة إلا من خلال وضعها ضمن منظومة الدلالات المرتبطة، فالقبضة مع الخطوط الزرقاء والبيضاء أو النجمة الحمراء تعني الثورة الاشتراكية، في حين القبضة مع اللون البرتقالي تعني ثورة مضادة للاشتراكية).
للكلمة أيضاً خاصية أخرى تجعلها الوسيط الأساسي للوعي الفردي، فالكلمة منتج فردي بحت ينتجه الفرد نفسه من دون اللجوء إلى أي معدات أو أدوات من خارج الجسم. إن إدراكنا لهذه الحقيقة يوضح لنا دور الكلمة كأداة للتعبير عن الحياة الداخلية (الحوار الداخلي) للوعي.
في الواقع لم يكن للوعي أن يتطور لو لم تكن تحت تصرفه أشياء مادية مرنة يمكن التعبير عنها بوسائل جسدية، والكلمة واحدة من أهم هذه الأشياء. فالكلمة متاحة كدلالة على التوظيف الداخلي للعبارات التي سيتم استعمالها في التعبير الخارجي. لهذا السبب أصبح الوعي البشري من حيث أنه «كلمة داخلية» أو (دلالة داخلية) واحداً من أهم المسائل (المشكلات) في فلسفة اللغة.
عند رؤية أوراق الشجر الصفراء تتساقط، يقوم الوعي بتوظيف مجموعة من المعلومات المعروفة لديه حول الطقس وتتالي الفصول ليعبر عما يراه بكلمة هي “الخريف”.
كلمة “الخريف” هنا عبارة عن التعبير الخارجي (دلالة) عن مجموعة من المعلومات التي تم توظيفها داخلياً للوصول إلى هذه الدلالة.
كل انعكاس إيديولوجي لأي وجود مادي خلال عملية خلقه، وبغض النظر عن أهميته أو معناه، لا بد وأن يترافق بانعكاس دلالي من خلال الكلمات كشرط أساس لا غنى عنه للظاهرة الإيديولوجية. فالكلمة شرط أساسي لكل فعل يتعلق بالفهم والتفسير.
كل مكونات الكلمة التي عرضناها- نقاؤها الرمزي، حيادها الإيديولوجي، انخراطها في التواصل الاجتماعي، قدرتها على تشكيل حوار داخلي، وأخيراً حضورها الإلزامي المرافق لكل ظاهرة كفعل وعي- كل هذه المكونات تجعلها العامل الأساسي في دراسة الإيديولوجيات. لا بد من دراسة كل قوانين الانعكاس الإيديولوجي للوجود سواء كان على شكل دلالات أو وعي من خلال البنية المادية للكلمة. وهنا لا بد من القول إن الطريقة الوحيدة لخلق مواءمة بين المنهجية الاجتماعية للماركسية والبنية الإيديولوجية بتفاصيلها لا يمكن تحقيقها إلا بالعمل على تغيير قواعد فلسفة اللغة لتصبح «فلسفة الدلالة الإيديولوجية» ثم تعديل وابتكار هذه القواعد من خلال الماركسية نفسها.
كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed