آخر تحديث: 2020-10-20 03:29:05

ما بعد التعليل.. العقل يحتضر

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

ما أقصر المسافة في التناطق بين العلّة والمعلول، بيد لو أمعنّا النظر وخرجنا من هيمنة العادة السّيّئة للفكر التي اختزلت التفكير في القياس وأخضعت المُناطقة لمسار واحد في التعليل خوفاً من استحالة العلم التي اختلطت في ذهن كائن متواهم مع استحالة ضبط العلّة في جزء لا حصر له من الظّواهر ليس لأنّ العقل قاصر عن إدراك تلك العلل بل لأنّها في الأصل غير خاضعة للشكل المبسّط والمتداول للتعليل.. وعليه بات بين العلة والمعلول مسلسل لا نهائي من الأسباب وهذا مأزق حدا بالفلاسفة تأكيد الدهشة باعتبار أن علم التعليل لا يملك سرّ الدّوافع وجوهر حركة الأشياء.
يفتح هذا نافذة في إشكالية الاستقراء، وقلنا مراراً إنّ التعويل على التعليل مطلقاً سيضعنا أمام مأزق، هو نفسه مأزق تاريخي لمستويات التّناطق لا مخرج منها سوى بالطفرة الحدسية. ومرّة أخرى يدخل الحدس طرفاً في إنقاذ الموقف، باعتبار أنّ الحدس منفتح في استيعاب الظواهر. سيقودنا الاستقراء إلى متاهة التعليل وسيفتح كل سبب عدداً لا نهائياً من الأسباب المحتملة للربط بين سبب وآخر وليس فقط بين ظاهرة وأخرى في غياب وعي حقيقي بطبيعة الدوافع.
في النقد الإثيولوجي لشبنهاور (فيلسوف ألماني) أزمة تعليل تصل حدّ إنكار شرعية علم الأسباب، فما أن نعبر عن تجاور الظواهر وملامسة التغيير حتى يستقيل العلم عن إدراك السرّ الحقيقي في الدافع، وقد يفضحنا فعل المُلاوغة في لحظة سهو مُناطقاتية في استعمال الترادف المُضلّل، وهذا تحديداً ما اعتبره شبنهاور في الأصول الأربعة لمبدأ السبب الكافي تأكيداً واعترافاً عميقاً بأنّنا حين نستعمل الدافع والسبب في موارد مختلفة وكأنهما يحملان المضمون نفسه لا نفعل أكثر من التأكيد على أنّنا لا نملك مبرراً حقيقياً في استعمال هذه المفاهيم.
في تكرر ظاهرة التغيير نقف على ظواهر العلل، ولكن ليس العلم هو فقط إدراك تسلسل الظواهر، وقد نهتدي لاستشرافها لكننا لن نعلم بجوهرها وحقيقتها، فإدراك العلاقات لا يضعنا أمام الفهم الكامل للدوافع الطبيعية وجوهر التغيير. هل يا ترى يساوي التعليل العلم؟
لا يضعنا التعليل أمام حقيقة الدوافع والتغيير والأشياء، بل يوقفنا أمام العلاقات الظاهرة، وهذه العلاقات لا تلامس الجوهر ولا يمكن سوى أن تشدّ أذهاننا إلى أنّ أشياء تقع في العالم ولكنها تقع وفق وتيرة معيّنة.
قلت قبل ذلك إنّ ظهور التّطرّفات ناتج عن تدبير المُناطقة، وبأنّ خلوّ المُعاقلة يتولّى الإمضاء على الجري النظري على الرّاجح منها في زمن تكافؤ الأدلة والتباس الطرائق وهيمنة التعليل كوسيلة وحيدة للتفكير العلمي يضعنا في مأزق تاريخي لسؤال: ما النّظر؟.. وعليه، يبدو لي أنّ محنة العقل اليوم ليس في غياب التعليل حيث ساد في منعطف تاريخي ما أنّ العقل العلمي يساوي التعليل بل المعضلة اليوم قائمة على تضخم التعليل في غياب العلم بالدوافع الطبيعية وجوهر الأشياء خلف العلاقات الظاهرة.
هكذا بات الإنسان العاقل منزوع الدهشة أمام ما تنطوي عليه العلل من جيوب غير مفكّر فيها لا من حيث سلسلة العلل الخفية ولا من حيث طبيعة الأشياء وسرّ الدوافع وراء تغيّر الأشياء. ولقد تتبعت ظاهرة الجهل في السلوك الفكري المعاصر من خلال تأمّل المحاورات في مستوياتها الدّنيا والعليا فاكتشفت ميلاً عنيفاً للإنسان المعاصر إلى الانزياح للتعليل وتجاهل حقائق الأشياء، على أنّ التعليل في مثل هذه المحاورات يتم في غياب حقائق ومعطيات للتعليل. فالتعليل هنا آلية تستقلّ حتى بما هو متاح من الوهم، لأنّه أشبه ما يكون بميل غريزي.
نشأ عن هذا النّمط من التفكير شكل من ديكتاتورية الإقصاء والتجاهل لما هو مخالف لهذه الطريقة الحصرية في التفكير، وسيشهد عصرنا الغارق في الاستبداد فتح طريق مخاتل للحرّية باعتبارها ضرباً من المُلاوغة حيث أصبحت الحقيقة مرتهنة للتأويل والتأويل مرتهن للتعليل، ومع غياب ضامن الإمضاء باتت الحقيقة وجهة نظر.

محنة الحقيقة لها صلة بتوحّد طريقة التفكير حدّ الإفلاس. وحين توحدت آلية التعليل أنتجت شتاتاً في الأحكام، ذلك لأنّ التعليل حين يخرج عن مهمة إدراك مسلسل التعليل يستقيل ليفتح الطريق أمام صور عقيمة من التعليل فيما ليس من مهمة العلم نفسه بعد إدراك ظواهر الأسباب ومآلاتها، وهي وضعية التفكير بغريزة التعليل- أسميه غريزة لأنّ الحيوان هو نفسه يُعلّل – تظهر أزماتها جلية في علم المغالطة وعلم الحجاج.
لا نستعجل الجواب عن كيف نفكر ولا ما العمل، فمسار تاريخي طويل من العادات الفكرية السّيّئة تستدعي تصعيداً في التأمّل وتمكيناً للحدس بوصفه النواة الأولى لاستعادة التفكير وتدارك أخطاء الفكر التّاريخية. سنتساءل ابتداء إن كنا مستعدين للتخلّي عن أوهامنا وعاداتنا في التعاقل لصالح أنماط جديدة في التفكير، لنتساءل أيضاً إن كنا على استعداد للاعتراف بأن ما نفعله حقاً ما هو إلاّ غريزة تعوّض غموض التفكير وتسكينات أمام ضغط الأسرار الطبيعية التي يتجاهلها فعل التعليل، بينما في لا وعينا المعاقلاتي نخفي إحساساً عارماً بالعجز والجهل.
لا زلنا غير قادرين عن فهم حقائق الأشياء، ولا زالت مهمة الفلسفة أبعد من أن تفسّر العالم أو تغيره. نعلّق أملاً على الانقلاب الذهني وزمن الرّشد حين تكتمل دورة التواسط والإستيعاب بين مجالين ترددين في تاريخ العقل: من أقصى الميتوس (الأسطورة) إلى أقصى اللوغوس (الفلسفة) قبل استقرار النوى بالعقل في ملتقى اللّوغو- ميتيوسية، وفي كلّ هذا سنبقى مدينين للحدس في المبتدأ والخبر، لأنّ العقل تورّم بفعل التكرار المحدود لنمط التفكير ولم يتطوّر بما فيه الكفاية لفهم العالم خارج قياس إبليس.
كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed