صور للأطفال الرضع الباكين أو النائمين على بقايا العلب  الكرتونية وبرفقتهم امرأة يخيل أنها أمهم تستغيث وتتوسل جالسة إلى جانب بسطات الخرداوات وتحيط بهم  أكياس خضراوات  وعربات  والكل ينادي ويتوسل  لبيع تلك البضائع  على طول شارع المرجة وسوق الخضرة  وشارع الثورة وفوق الجسر وتحته  ناهيك بالحدائق والأسواق وأمام دور العبادة ..وهكذا حيثما التفت في الشوارع تصطدم بمتسول أو مشرد أو من يعيل الأيتام ومن لا يجد مالاً يوصله إلى داره والباحث عن متبرع لدواء وحتى من يهمس في أذنك فقط ثمن ربطة خبز ..ومع مطلع كل فجر تتكاثر أعداد المتسولين أمام أعين الجهات المعنية، ومن المؤكد أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تدرك مدى خطورة واستفحال هذه الظاهرة ..
كل ذلك لم يشفع لهذا الملف الخطر أن يؤخذ على محمل الجد وينال ما يستحقه من اهتمام ومتابعة في مجلس الشعب، واكتفت الجلسة التي حضرتها وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل باستعراض قائمة المهام المنوطة بالوزارة وكان المتوقع من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن تأتي بخطة واضحة لمعالجة هذه الظاهرة  التي تتورم وتتضخم مثل كرة الثلج.. ولاسيما أنه سبق للوزارة أن سئلت عن هذا الملف وتحت القبة  منذ حوالي العام  في الدور التشريعي الأول!!.

إحالة شبكات التسول للقضاء
تكمن مخاطر التسول في اعتماده على التحايل وأكل أموال الناس بالباطل؛ ما يسبب قلقاً اجتماعياً وأمنيّاً، وفوق ذلك ارتكاب عصابات التسول جرائم ضد الإنسانية، حيث تشير بعض المعلومات إلى السلوك غير الأخلاقي لبعضهم في استغلال عاهات الأطفال أو الشباب وحتى العجزة في أجسادهم ودفعهم إلى ميادين التسول؛ بهدف استدرار عطف الناس.
ويؤكد عضو مجلس الشعب محمد خير العكام أن تزايد عدد المتسولين يعد أحد أهم تداعيات الحرب على سورية فكثير من الأسر فقدت بيوتها وأماكن عملها ومورد رزقها، فلجأ البعض إلى التسول إما مرغماً وغالباً محترفاً.
ويرى العكام أن الجمعيات الأهلية والاجتماعية تستهدف شريحة واسعة من هؤلاء المشردين وكذلك وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لكن ضبط هؤلاء ليس بالأمر السهل ولاسيما مع وجود حالات ترفض الذهاب لمراكز الإيواء ويعودون إلى التسول.. ويضيف موضحاً: الحالة صعبة وجرم التسول عقابه الحبس فترة ثم يعود المتسول غالباً إلى العمل نفسه، وربما يكون انخفاض الأجور أحد الأسباب التي تدفع المتسول إلى امتهان التسول بدل البحث عن فرصة عمل.. ورغم خطورة هذه الظاهرة وأبعادها الأمنية والقانونية والاجتماعية لكن أعداداً متزايدة تحترف التسول وأحياناً أفاجأ أن بعض المتسولين الموجودين في المرجة نزلاء في الفنادق الموجودة هناك ويعدون التسول عملاً والهدف الحصول على المال ..
تمدد الظاهرة
هذا الواقع وحالة الاستغلال العاطفي للناس أمر يدفعنا إلى التحذير من مغبة تمدد الظاهرة، و تداعياتها الخطرة كانحراف الأحداث، والتزوير، وتزايد متعاطي المخدرات، وخطف الأطفال. وكان من المنطقي أن يتم بحث تداعيات ظاهرة التسول تحت قبة مجلس الشعب، وخلال الجلسة السابعة من الدورة العادية الثانية للدور التشريعي الثاني التي انعقدت لبحث أداء وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والمسائل والقضايا المتصلة بعملها.
تركزت مداخلات أعضاء المجلس  على تفعيل عمل المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والاهتمام بذوي الشهداء والجرحى وحقوق العاملين في الدولة والتعويضات المقدمة لهم وخاصة إصابة العمل والوفاة مؤكدين أهمية اضطلاع الوزارة أكثر بالتدخل الايجابي في المجتمع والتنمية الريفية وتقديم الإعانات للأسر المتضررة من جراء الأزمة، كما دعا عضوا المجلس فاطمة خميس وأشواق عباس إلى «تشديد الرقابة على مراكز الإيواء ووضع خطة عاجلة لمعالجة الآفات المجتمعية كالمخدرات والتسول وإعادة استثمار مبنى الحاطرية التابع للوزارة في ريف طرطوس».
ودعا أعضاء المجلس برهان عبد الوهاب و مهران ماضي وعمر الحمدو ورياض شتيوي إلى إجراء المسابقات مرتين في السنة بشكل مركزي لسد الاحتياجات المطلوبة من العاملين وحصول جميع العمال على الضمان الصحي وزيادة فرص العمل الممنوحة للمرأة والإعانات للأسر المتضررة، بينما طالب عضو المجلس رياض طاووز بإيجاد «حلول لظاهرة التسول وإحالة شبكات التسول إلى القضاء».
يرى عضو مجلس الشعب جمال رابعة أن التسول هو طلب مال، أو طعام، أو المبيت من عموم الناس باستجداء عطفهم وكرمهم إما بعاهات أو بسوء حال أو بالأطفال، بغض النظر عن صدق المتسولين أو كذبهم، وهي ظاهرة أوضح أشكالها وجود المتسولين على جنبات الطرقات والأماكن العامة الأخرى، ويلجأ بعض المتسولين إلى عرض خدماتهم التي لا حاجة لها غالباً مثل مسح زجاج السيارة أثناء التوقف على الإشارات أو حمل أكياس إلى السيارة وغير ذلك.
غياب الإحصاءات
وفي غياب الإحصاءات الدقيقة تقدر بعض الجهات غير الرسمية عدد المتسولين  بشكل تقريبي، بعد خمس سنوات  من الأزمة، بحوالي 250 ألفاً في مختلف المحافظات السورية  51,1% إناثاً و 48,9% ذكوراً، 62,4% يمارسون التسول الاحترافي، و يشكل الأطفال منهم نسبة 10% بمجموع 25 ألف طفل متسول كما ورد في إحدى الدراسات الاجتماعية.
ويلفت عضو مجلس الشعب محمد خير العكام  إلى أن نتائــج التســول عديـدة ومضاعفاتهـا خطرة ليس على الفرد فحســب، بل تأثيرهـا يصـل إلى المجتمــع، سواء على المستـوى الاقتصادي أو السيكولوجـي، وتبقـى من أهـم هـذه المضاعفـات خطر الانحراف بشتـى أنواعـه سـواء على المستـوى الأخلاقي أو الفكـري، فنجـد كثيـراً من المتسوليـن يلجؤون إلـى تعاطـي المخدرات، نتيجـة الإحباطات النفسيـة الــتي يحدثـها الفقـر والحاجـة، إضافة إلى  تنامـي ظاهـرة الإجـرام داخـل المجتمـع ما يسبب تهديـداً وإخـلالاً بالاستقرار والأمـن العام، فأصبحـت عصابـات منظمـة تقـوم بعمليـة السرقـة والنصب والاحتيال والاعتداء على ممتلكــات المواطنيـن.
أضف إلى ذلك  انتشــار الفوضى والاضطراب في شوارع المدينـة وفي الأماكـن العموميـة، الأمـر الـذي أصبـح يمــس سلامـة الأفـراد. ومن خـلال تقييـم هذه النتائـج تتضـح خطورة هـذه الآفـة على العلاقـات الاجتماعية الأساسيـة، بدءاً من مؤسسـة الأسـرة والمدرسة.
تلبية الاحتياجات الأساسية
يعد الفقر، وهو عدم الحصول على مستلزمات الحياة الأساسية كالمأكل والمشرب والملبس، بسبب البطالة وعدم وجود مهنة أو حرفة لدى الشخص المتسوّل، أو أن له حرفة ولكنها لا تكفي لسد احتياجاته، لكثرة عياله أو لارتفاع أسعار المواد الغذائية ومتطلبات الحياة، من أبرز الأسباب في انتشار التسول يليه الكسل وهو: حبّ الراحة، وعدم بذل الجهد العقلي والعضلي باتخاذ عمل معين أو حرفة معينة، فيجد المتسوّل له مجالاً للحصول على المال اللازم من دون تعب أو جهد يبذله، وغالباً ما يكون المال المحصّل أكثر بكثير مما لو اتخذ عملاً عضلياً أو عقلياً.
يعد النقص العقلي والجسدي الذي يرافق ذوي العاهات والأمراض المزمنة والعاجزين عن العمل والمعوقين خِلقة أو بسبب حادث أو عارض ما. إضافة إلى فقدان المعيل: فاليتيم والأرملة الفاقدان للعائل، قد يختاران التسوّل بسبب حرمانهما من المعيل الذي يوفّر لهما مستلزمات الحياة المادية والروحية، فيفتقدان المال والإشراف والتوجيه التربوي الذي يربّيهما على عزّة النفس وكرامتها، ويمنعهما من اتخاذ الأعمال الوضيعة ومن إذلال النفس بالتسوّل وغيره.
وكذلك  التربية الخاطئة في مرحلة الطفولة، وتعليم الأطفال على طلب الحاجة من الغير، فقد يتسوّل البعض للحصول على المال، لكن بمرور الزمن يحدث لديهم احتراف بالتسوّل نفسه، فيصبح المتسوّل ثرياً، أو قد يجد من يكفيه من المال من ابن أو من قريب أو ما شابه ذلك، لكنه لا يترك التسوّل لاعتياده عليه، وأيضاً  توارث الظاهرة من الآباء وانتقالها إلى الأبناء، فأغلب المتسوّلين يصحبون أطفالهم أثناء التسوّل، لتصبح مهنتهم التسوّل بعد التعوّد عليها وعدم وجود الرادع لهم، وصولاً إلى المرض النفسي: ويتمثّل بعقدة احتقار الذات والشعور بالنقص، وعدم الاعتراف بالذل، إضافة إلى الطمع والجشع وعدم القناعة.
حسب الأولويات
قد تتطلب الموضوعية الالتفات إلى أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تعمل بصمت بعيداً عن الإبهار، وقد حققت تقدماً في بعض الملفات مقابل أداء متواضع في أخرى وحسب أولويات الوزارة ومهامها تؤكد وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل ريمه القادري أن الوزارة تعمل مع وزارتي العدل والداخلية وبقية الجهات المعنية على معالجة ظاهرة التسول والتشرد وتسعى لتفعيل وتحديث دار تشغيل المتسولين والمشردين في منطقة الكسوة في ريف دمشق.
وتؤكد أن الاهتمام بذوي الشهداء والجرحى يمثل أولوية بالنسبة للوزارة مبينة أن الوزارة عازمة في العام القادم على تنفيذ مشروع «بيت الجريح» لتأهيل الجرحى وتأمين الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية لهم.
وتضيف القادري أن مشروع التعديلات المتعلقة ببعض مواد قانون العاملين الأساسي للدولة رقم 50 لعام 2004 سيعزز الكفاءة في العمل والقدرة على رفد سوق العمل بالكوادر المناسبة، مبينة أن الوزارة تدرس مع وزارة التنمية الإدارية أهم التعديلات التي يمكن تضمينها في القانون وتخص ذوي الإعاقة وتشير إلى طريقة الإعلان عن المسابقات والجهة المخولة بالإعلان عنها والجهات العامة التي ستجري الاختبارات.
وتقول القادري : إن الوزارة تعمل على تفعيل مديرية المرصد الوطني للعمل ومركز الإرشاد الوظيفي في الوزارة وربطهما مع مراكز التدريب ومكاتب التشغيل ووحدة الترشيح المركزية والسجل العام للعاملين في الدولة لتمكين الوزارة من امتلاك أدوات أكثر تتيح لها الاستجابة لاحتياجات سوق العمل. وتلفت إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز مساحة شبكات الأمان والضمان الاجتماعي حيث تعد دراسة لاستثمار أموال المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وتوظيفها بما ينعكس إيجاباً على المتقاعدين وذويهم مع الحفاظ على قدرة المؤسسة وإزالة الصعوبات التي تواجهها، كما تبين الوزيرة أنه يتم السعي لتفعيل المجلس المركزي للمعوقين لتحسين المستوى المادي للأشخاص ذوي الإعاقة بالتعاون مع 75 جمعية تعنى بهذا الأمر.
الحلول والمقترحات
اختلط الأمر على المرء، فهل يصدق المتسولين أو لا يصدقهم، فإن صدقهم جميعاً يعد مغفلاً، وإن كذبهم جميعاً عُدّ ظالماً في حق الصادقين منهم، وإن أراد التمييز بينهم فذلك من الصعب بمكان. وهو الأمر الذي يجعل البعض يجتهد قدر الإمكان في تحري صدق المتسول قبل أن يعطيه صدقة، أما البعض الآخر فيلجأ إلى الجمعيات الخيرية لأنها تعتمد في تحديد المحتاجين على تحريات ميدانية. لكن ذلك لا يمنع من أن ثمة حلولاً للتخفيف على الأقل من هذه الظاهرة، مع الإشارة أن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل كانت قد تحدثت قبل عام تقريبا وأمام مجلس الشعب حيث وصفت  ملف التسول «بالشائك والمعقد فهو في ظاهره تشرد وتسول لكن في باطنه مختلف كثيراً» كما تم رصده من خلال بعض الحالات التي حاولت الوزارة التدخل فيها لتقديم العون، لكنها -أي مبادرة الوزارة- رفضت لأسباب مختلفة.
كما كشفت الوزيرة عن خطة إسعافية متكاملة لمعالجة التسول تم رفعها إلى مجلس الوزراء تتضمن خطاً ساخناً للإبلاغ عن الحالة والتعاون مع وزارتي الداخلية والعدل والجمعيات المعنية إضافة إلى تفعيل لجنة التسول ومراكز تشغيل المتسولين والمشردين.  ولفتت إلى سعي الوزارة لإيجاد نموذجين ناجحين لمراكز الإنعاش والتنمية الريفية في محافظتي حمص وطرطوس وتعميم هاتين التجربتين على بقية المراكز إضافة إلى جهودها في العمل مع منظمة الهلال الأحمر العربي السوري وإعداد التقارير والبيانات عن عمله.
ولاشك في أن  ظاهرة التسول الشائكة تستدعي تعاوناً كاملاً من الجهات المعنية  واعتماد مبدأ العمل لمنع الازدواجية والتداخل  في ظل الوجود اللافت للمتسولين الموجودين في الأماكن العامة من الأطفال والنساء.

print