آخر تحديث: 2020-09-22 13:45:21

«بضعُ جملٍ قصيرة عن الكتابة» والتحليقُ فوق بحر الكلمات

التصنيفات: ثقافة وفن

يفاجِئُك كتابُ «بضعُ جملٍ عن الكتابة» (تأليف فيرلين كلينكنبورغ/إصدارات دار نينوى/ترجمة مأمون الزائدي) إذ تعتقد لوهلة أنك أمام كتاب من تلك التي تُصنّف على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً والتي غالباً ما تتكشّفُ عن إصداراتٍ بلا قيمة معرفيّة حقيقية إنما هي مما يتماشى مع «الموضة» في سوق الكتب الرائجة المنتشرة بقوّة بهارات الدعاية والإثارة لجذب القراء المستعجلين.
لكن الكاتب كلينكنبورغ، مُدرّسُ الكتابة الإبداعية في جامعة «ييل» في أمريكا، عرف تماماً كيف يشدّنا من دهشتنا جملةً وراء جملة، إذ إنه يلتزم هو نفسُه بما ينصحنا به عبر صفحات الكتاب ويجعلنا نمشي معه خطوة خطوة متمهّلين «وعلى راحتنا» ونحن نتأمل تدفّق أفكاره.
أفكارٌ تشبه الوصايا لكنها ليست وصايا مُلزمة مثل وصايا الكتب المقدّسة ولا هي مَدرسيّةٌ تعليميةٌ أو «كليشيه» فهذه الأخيرة هي مادة ميتة – حسب رأيه- «تُسبّب مواتاً (عنغرينا) في النثر، وعاجلاً أم آجلاً سيأكلُ ذلك دماغَك» بل إنّ «الكليشيهات» المكرّرة على شكل جملٍ مبتذلة إنما هي «حُطامُ تفكيرِ شخصٍ آخر… ينخرِطُ في الجملِ الخاصة بنا ويشوّهها إلى الأبد».
إن هذا الكتاب إضاءاتٌ لمّاحةٌ حول«”كيف نكتب»” وكيف نَعي ما نقوم به كلمة فكلمة وجملة وراء جملة حتى يكتمل نسيجنا الإبداعي. رغم وعي الكاتب أن «لا وصفة جاهزة» للكتابة، إنما هي «غربلةٌ لا نهائية للكلمات والجمل، واستكشافٌ لا هوادة فيه للاحتمالات». اكتشافٌ للفروق الدقيقة في الصياغات المتعددة للجملة نفسها، تلك التوترات الخفيّة بين مفردة وأخرى.
اللافت والجميل في أسلوب الكاتب «فيرلين» هو بالضبط هذه الانتقالات السلِسة بين أفكاره، إذ لا فصولَ، ولا أبوابَ، ولا فقرات مرقّمة، ولا جملٌ مقتبسة كتمهيدٍ مُعتاد عند الكتّاب في بداية كل فصل إنما تدفّقٌ مريح وانتقالٌ بخفّة النسيم كما لو أنك أمام سجادةِ منمنمات وبإمكانك أنْ تفتح أي صفحة (أي جزء من هذه السجّادة) وأن تبدأ منه وتتمعّن فيه وتكمل إما رجوعاً إلى بداية الكتاب أو اندفاعاً نحو النهاية.
ولا يكتفي كلينكنبورغ بالإشارات اللمّاحة المتعلقة بعادات وطقوس الكتابة عند المؤلفين بل يتعامل معنا جميعاً بوصفنا نحن أنفسنا قرّاء بشكل أساسي فيقدّم لنا ملحوظات معرفية يمكنها أنْ تُثري كل من يقرأ الكتاب كما لو أن كل واحد فينا هو مشروع كاتبٍ مُحتَمل أو كما لو أن في كلٍّ منا يكمن ذاك الكاتب المتخفّي بانتظار لحظة الكشف/البداية.
السلاسةُ التي في الكتاب لا تعني أبداً عدم اختزانه لعمقٍ معرفيّ والبساطةُ في صوْغ الجُمل ليست أبداً سطحيةً وسذاجةً. إنها فكرة الكاتب الأساسية في تغيير ما عرفناه سابقاً عن «الإبداع والعبقرية في الكتابة بحجّة إنها تعليمات يجب عدم المساس بها».
لذلك تحملُ فقرات الكتاب نقداً لطيفاً للكتّاب أو للفكرة العالقة في ذهنهم وتلك «الرغبة الملحّة لتحويل الملاحظات العابرة واللمحات اللحظية إلى استعاراتٍ وإلى مادّةٍ للكتابة في أسرع وقت ممكن كما لو أنّ على كلٍّ تصوّرٍ أنْ ينتهي بمجاز، أو كما لو أنّ الكاتبَ دينمو وعليه تحويل العالَم إلى كلمات واستعارت».
ورغم الجماليات الكامنة في نسيج الكتاب والمحاولات الذكية المشغولة بعناية أستاذ كتابة إبداعية لتبدو جملاً خفيفة الوقع على من يتلقّاها سواء كان طالباً أم كاتباً محترفاً إلا أن الأفكار تبقى أفكاراً قابلة للنقد والدحض والتشكيك. إذ يقول: «تكتشف أحياناً وأنت تراجع عملك أنه لا يمكنك أن تتذكر كيف جاءت كل جملة لتتخذ شكلها التي هي عليه، وأنْ تعثر على أثرٍ من لاوعيك من أجل ماذا كُتبت. تمطّطٌ للذاكرة تبدو معه الجمل كما لو أنها كَتبتْ نفسَها بنفسها، هذا ليس شيئاً جيداً، على الكاتب أن يعرف كيف حصلت كل جملة وما هي الخيارات التي أتيحت لها»… لكنّ هل يقدرُ الكاتب فعلاً على ذلك؟ ألا يُقلّلُ هذا «الانتباه الدائم» و«الوعي اللانهائي» من الجمالياتِ التي لفتَ كلينكنبورغ نظرَنا إليها مسبقاً في قوله «عليكَ بالملاحظة، إنها تتطلّب تعلّقاً وتوقاً، توقّفاً عند رغبة أن يخرجَ شيءٌ من نفسك، فالملاحظة هي السماح لنفسك بالخروج إلى العالم بدلاً من شفط العالَم إليك من أجل تحويله إلى كلمات»؟!
قد لا يجدُ بعضُ القرّاء أنفسَهم في صفحات هذا الكتاب، لكنه التفاتةٌ سِحريةٌ ورشيقة إلى الكيفية التي يمكن أن يكون فيها وجودُنا نفسُه هو وجودٌ لغويٌّ له إيقاعُ الموسيقا وحركة الطائر فوق بحرٍ من الكلمات.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed