آخر تحديث: 2020-09-27 15:30:35

عشر زهرات جديدة

التصنيفات: زوايا وأعمدة,على ما يبدو

أي معلم هو ؟! ذاك الذي يصفه طلابه بأنه كان يعطيهم في كل درس عشر زهرات من أجمل ماقيل في الشعر والأدب ؟

يقول الشاعر نزار قباني : إنه لمن نعمة الله عليّ وعلى شعري معاً أن معلم الأدب الأول الذي تتلمذت له كان شاعراً من أرق شعراء الشام وأعذبهم ,هذا الرجل ربطني بالشعر منذ اللحظة الأولى واستمر يقطف لنا من شجرة الشعر العربي عشر زهرات جديدة في كل درس من دروسه.
في الحقيقة هذه الكلمات دفعتني للبحث عن المزيد في حياة هذا الشاعر المبدع الذي لم أكن أعرف عنه إلا أنه كتب القصيدة السامية التي اعتمدتها الدولة النشيد الوطني للجمهورية العربية السورية فهو شاعر الشام خليل مردم الذي ولد في دمشق عام 1895 والذي ما كاد يبلغ الخامسة عشرة من عمره حتى فقد أباه ثم فقد أمه بعد أربع سنوات فآلمه الفقد فقال في أبيه :
أقول ونعشه يختال تيهاً تحيط به المهابة والجلال
خليليّ احسرا دمعي قليلاً لأنظر كيف سيرت الجبال
وليس هذا من الشعر الذي يقوله عادة فتى في الخامسة عشرة إلا إذا تمتع بموهبة استثنائية . وأقرأ المزيد في سيرة حياته فأجدها حافلة وملهمة فرغم المصاب تابع الشاب دراسته وتتلمذ في دراسة الأدب والنحو والصرف وعلم الفقه والحديث على يد علماء دمشق في مجالس العلم والثقافة آنذاك .
وتأسرني تلك اللغة اللطيفة والعذبة التي عبّر بها الشاعر عن صداقته للشاعر الأمير شكيب أرسلان .. حيث كان الأمير في الخمسين من عمره والخليل في ريعان الشباب لم يتعدَ العشرين سنة وجرت الرسائل بينهما على سنن القدماء في الإخوانيات وأدب التراسل رابطة قوافي الشعر بين قلبيهما .
وتمر الأحداث ونجد الخليل في معترك النضال الوطني .. فقد كان الشاعر قد بلغ الثالثة والعشرين من العمر جين تخلصت سورية من حكم الأتراك وسادت البهجة في النفوس فقال الشاعر:
لك الهنا بدمشق الشام قد برزت تستقبل الجيش في أثوابه القشب
وحين دخل غورو دمشق في تموز 1920م بعد معركة ميسلون التي استشهد فيها وزير الحربية يوسف العظمة راح الخليل يندد بغطرسة ذلك الجنرال ويذكره بانكساره في الدردنيل ويؤكد أن السوريين شأن أجدادهم سيدافعون عن حمى وطنهم :
فمن مبلغ “غورو” ومن لف لفه وشايعه من كل من قلبه عمي
إذا ماكبا في الدردنيل الى يد
ففي الشام يكبو لليدين وللفم
ذاع صيت الخليل في البلاد العربية وتناقلت المجلات والصحف قصائده وتعززت صلته بالأدباء والشعراء وسعى الى تأسيس “رابطة أدبية ” في دمشق وتمكن مع عدد من الشعراء والأدباء تحقيق حلمه ومن بين هؤلاء شفيق جبري وحليم دموس وفخري البارودي وماري عجمي ونجيب الريس وغيرهم
أما عن حكاية النشيد الوطني السوري فيقول الكاتب سيف الدين القنطار في مؤلفه عن خليل مردم الذي ما إن بدأت تلوح في الأفق تباشير استقلال سورية حتى أمسك الشاعر يراعه وبدأ يخط كلمات النشيد السوري وقد استوحاها من بسالة حماة الديار وتضحيات الشهداء وعبّر عن اعتزازه بربوع الشام وأشاد بماضي أمته المجيد وكان هنالك اجماع على اختيار كلمات الشاعر دون غيره لتكون نشيد الوطن .
واليوم وكل يوم نسمع فيه نشيد “حماة الديار” نشعر بجمال عشر زهرات جديدة تفوح عطراً ونوراً وجمالاً في فضاء الوطن الحبيب .

طباعة

التصنيفات: زوايا وأعمدة,على ما يبدو

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed