آخر تحديث: 2020-10-01 18:23:05

كيف انتشرت اللغة العربية في الأندلس؟

التصنيفات: ثقافة وفن

انتشرت اللغة العربية في بلاد الأندلس انتشاراً سريعاً وواسعاً بين الإسبان المعايشين للعرب، ولم يكن قد مضى على الفتح العربي نصف قرن من الزمن، ويبدو أن ظاهرة استعراب الإسبان كانت تسبق دخولهم إلى الإسلام في أغلب الحالات، فكان عجم الأندلس يختلطون بالعرب فيأخذون عنهم لغتهم وأسلوب حياتهم، وكانوا، في الوقت نفسه، يحتفظون بحرية تامة في ممارسة شعائرهم الدينية المسيحية، ثم كان يسلم كل من يشاء شيئاً فشيئاً، ولدينا نصوص لاتينية معاصرة تثبت هذا وتبيّن أن قسماً كبيراً من المثقفين في قرطبة كانوا راضين عن أوضاعهم الاجتماعية تمام الرضا، وأن كثيراً منهم كانوا ينضمون إلى الجيش العربي في الأندلس، وأن آخرين كانوا يتولون مهاماً في بلاطات الأمراء العرب ويلقون الشعر العربي في أحضانهم، وكانوا يقلّدون العرب في كل شيء، ويقبلون على اللغة العربية والأدب بينهم، ويحتقرون اللغة اللاتينية وآدابها أيّما احتقار.
على أن اللغة العربية الفصحى لم تكن هي اللغة الوحيدة المستعملة بين الأندلسيين، فمنذ القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) حتى القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) كانت هناك إلى جانب العربية الفصحى لهجات أعجمية دارجة فيها عناصر من (الإيبيرية والعربية)، ولكن الغالب عليها كان الطابع اللاتيني، وكانت هناك ازدواجية لغوية بين عامة الشعب الأندلسي المكون من خليط من العناصر المختلفة، فلم تكن العربية الفصحى لغة الأدب والفكر للعرب الأندلسيين فقط، بل كانت أيضاً لغة الثقافة والأدب والفكر للعرب المسلمين الأندلسيين وللمسيحيين الإسبان المعايشين للعرب وللمثقفين منهم خاصة، وكان في هذا المجتمع الأندلسي ذي العناصر القومية المختلفة، إلى جانب العربية الفصحى، اللاتينية الفصحى، التي كان مجال استعمالها ضيقاً، إذ كانت لغة الطقوس الدينية، وفي أحيان قليلة لغة أدبية في بعض المناطق القليلة.
إلى جانب هاتين اللغتين الفصحيين كانت هناك لغتان دارجتان هما العربية الأندلسية الدارجة، واللاتينية الدارجة، وهي التي كانت تُعرف بـ(الرومانثية) والتي تطوّرت عنها اللغة (القشتالية) أو الإسبانية، وكانت هاتان اللغتان الدارجتان مستعملتين في الشؤون اليومية بين العرب والإسبان الأندلسيين على السواء، ولدينا شواهد تاريخية ثابتة على هذا، من أبرزها ديوان (أزجال ابن قرمان، ونص لابن حزم الأندلسي) عن لغة إحدى القبائل العربية التي كانت تسكن في ضواحي قرطبة، وعن طريق هذه الممارسة والمعايشة الاجتماعية والثقافية المتصلة وما نتج عنها من ازدواجية لغوية كوّنت الطابع المميز للأندلس العربي.
كانت عملية التأثير والتأثر والتبادل الثقافي والفكري تتم على نطاق واسع وعميق، وساعد على ذلك، بطبيعة الحال، أن العرب الذين دخلوا إلى الأندلس لم يجلبوا معهم عوائلهم العربية من المشرق العربي، بل كانوا رجالاً محاربين، وحين استقرّ بهم المقام كان من الأمور الطبيعية أن يتخذوا لهم أزواجاً من بين النساء الإسبانيات، فكانت عملية التزاوج هذه، وما نتج عنها من تكاثر نسبة المولودين، أي أبناء العرب من أمهات إسبانيات، من العوامل القوية في صبغ المجتمع الأندلسي بالطابع العربي الرومانثي، إذ كان الجيل الناشئ عن ثقافة شعبية متوارثة عن الأجيال (الإيبيرية) السابقة، ويستمد من آبائه العرب ما تزخر به لغتهم الفصحى والعامية الأندلسية من مفاهيم وتراث وتقاليد وعادات اجتماعية وآداب وتعاليم تربوية.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed