آخر تحديث: 2020-10-01 18:54:12

يرى أنّ المتخيّل السردي لا يكتمل دون تمرينات مبكّرة في القراءة الروائي خليل صويلح: في «نزهة الغراب» أستعيد سيرتي بطريقة مُغايرة

التصنيفات: ثقافة وفن

بعد مجموعة من المقاطع التمهيدية من كتاب «نزهة الغراب» للأديب والصحفي «خليل صويلح» نشرها على صفحته في فيسبوك استطعنا استكناه بوصلته في هذا الإصدار عن دار نينوى، إذ يجمع بين السيرة الذاتية وسيرته مع القراءة منذ تاريخها الأول بالنسبة إليه وحتى الآن، بعد عشرات السنوات ومئات إن لم يكن آلاف الكتب قراءةً وبحثاً ونقداً وتأليفاً، فكما يرى صاحب «عزلة الحلزون» في تصريح خاص ب”تشرين” أن «المتخيّل السردي لا يكتمل من دون تمرينات مبكّرة في القراءة. لذا في «نزهة الغراب» أستعيد سيرتي بطريقة مغايرة، بعد تجربتي ضمن كتاب «ضد المكتبة» في رسم خرائط القراءة، وأظن أن لكل كاتب تضاريسه الخاصة في استكشاف أهمية هذا الكتاب أو ذاك في صقل تجربته في الكتابة ولذة التلقي. ما احتواه هذا الكتاب هو سيرة موازية تتلمس مسالك القراءة بالنسبة لي، واستدعاء ذاكرة مثقلة بقراءات مختلفة على تخوم سيرة ذاتية تصنعها الكلمات في بيئة لا تعتني بالقراءة في الأصل، وكأن جينات الكتابة تكمن في ذلك السحر الخفي للقراءة.
من جهةٍ أخرى فإن «نزهة الغراب» تحية لكتّاب آخرين رفدوا مخيلتي بصور مدهشة لم تبرح شريط الذاكرة إلى اليوم».
وعندما نسأل الزميل «صويلح»: «برأيك هل كتابك الجديد نبش في الذاكرة أم هو بحث عن كينونتك الحاضرة كمبدع عبر مكوناتها الماضية؟». يجيب: «كتبت نزهة الغراب في فترة العزلة القسرية. على الأرجح تنتعش الذاكرة في فترة التأمل وصفاء مرايا الذات، وتالياً التأرجح بين استجابة الذاكرة ومعنى اللحظة الراهنة».
ونستعيد من خلال الكتاب سيرة صاحب «اختبار الندم» في قريته على تخوم الصحراء، حيث كان الفتى النحيل يلتهم الكتب في غرفة طينية فوق بساطٍ من الصوف تحت ضوء مصباح الكاز، وإذا بوسيلة الإضاءة ترسم خطواته وفقاً لتحوّلات المكان يقول: «ينبغي أن أقتفي سجلّي كقارئ، تبعاً لتاريخ وسيلة الإضاءة: مصباح كاز، أم مصباح يد يعمل على البطارية، أم لمبة كهرباء تتدلى بشريط معدني مبطّن من سقف غرفة مستأجرة في المدينة، أم شمعة في فترة انقطاع التيار الكهربائي، أم كلوب إلى جانب السرير أو فوق منضدة خشبية متهالكة، أم شاشة كمبيوتر؟». وفق هذه الرؤية يستعيد صاحب «اختبار الندم» كتباً شكّلت ذائقته الأولى، على هيئة شذرات بقيت صامدة في مخزن الذاكرة، مثل «حياة الحيوان الكبرى» للدميري، إذ سيلهمه هذا الكتاب بعد عقود بناء روايته «عزلة الحلزون» لجهة أسماء الشخصيات وطبائعها وسلوكاتها البهيمية أو شفافية أصحاب أسماء الطير ومكابداتهم في مواجهة القسوة البدوية في صحراء غارقة بالدم.
في مكانٍ آخر سيفحص فضائل العزلة وارتدادات حظر التجوّل، إلى قراءات في تجارب كتّاب عرب وعالميين مثل «جورج أورويل» و«أمبرتو إيكو» و«ميلان كونديرا» و«سركون بولص» و«أمجد ناصر» و«أنسي الحاج» و«بندر عبد الحميد»، و«وديع سعادة»، و«عبد الفتاح كيليطو» و«زاهر الغافري»، و«رؤوف مسعد»، وآخرين.
يقول «صويلح»: «لا نخرج من المكتبة إلا لنعود إليها ثانية. تبّاً لهذا المرض المزمن الذي لا شفاء منه، حين يتحوّل السرير إلى خزانة كتب، فيما تتحوّل كتب الآخرين إلى أدوية لمعالجة الضجر والوحدة وكسور الروح. «سيروم العقل والعاطفة»، يتسرّب نقطةً نقطة نحو شاشة الذاكرة، يتغلغل في الشرايين والأوردة. هناك الشغف أيضاً باكتشاف متأخر لكتاب، كتاب لطالما أهملتَ تصفحه، أو أنك تصفحته على عجل، وإذا به – في قراءة لاحقة- يشبه إكسيراً للبهجة. والحال أن سيرة القارئ، في نهاية المطاف، لا تُكتب مرّةً واحدة، فقراءة الأمس لا تغني عن قراءة ثانية للكتاب نفسه، وكأنها لم تحدث إطلاقاً. لماذا لم ننصت جيداً إلى رنين هذه العبارة قبلاً بمثل هذه الالتفاتة التي تدير الرأس، وكيف عبرت هذه الجملة جزافاً، من دون أن ننتبه إلى بريقها؟ وعلى مقلبٍ آخر، سنتساءل بذهول: كيف تحمّلنا كل هذه الحماقات في كتابٍ آخر؟ على الأرجح بسطوة أسماء أصحابها أولاً، وبهشاشة “القارئ المتمرّن” ثانياً، ذلك الذي كانت تفتنه الحكاية ومصائر الشخصيات وتأجج الحواس، بصرف النظر عن الإقناع ومراتب الدهشة اللغوية، وجماليات البلاغة».

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed