آخر تحديث: 2020-10-01 18:54:12

إشكالية التفريق بين أنواع “الأدب الوجيز” هل ساهمت في تدني مستواه؟

التصنيفات: ثقافة وفن

رغم أنه لا حيلة أمام الاستسهال الذي أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف أشكال الكتابة المُختصرة أو ما يُسمى على تنوعه “الأدب الوجيز”، إلا أن عدداً ممن يكتب غير معني حقيقة بالتفريق بين الأنواع الأدبية، وهي إشكالية يواجهها الأدب نفسه أمام المسميات والأساليب التي لا يزال البحث فيها مستمراً كقصيدة الومضة والقصة القصيرة جداً، والهايكو وغيرها، ولعلّ هذا سبب رئيسي يفسّر غياب أسماء لافتة في نوع أدبي محدد من “الوجيز” عموماً.
نستحضر هذه الأفكار بموازاة الفعاليات الـ “19” للملتقى السوري للنصوص القصيرة الذي أسسه ويُشرف عليه الزميل علي الرّاعي منذ سنة 2011، والتي أقيمت في تجمع دمر الثقافي بدمشق مؤخراً بالتعاون مع مشروع “نوافذ” وبمشاركة حوالي عشرين كاتباً سورياً، لكل منهم تجربة في عوالم الأدب.

نمطية فكرية جديدة
يؤمن مؤسس الأدب الوجيز الشاعر اللبناني الراحل أمين الديب الذي أهديت لروحه هذه الدورة؛ أن مشروع الأدب الوجيز «تجاوزي» لمرحلة سبقته، عبر سياق التطور الإنساني الأدبي والفكري لأن الزمن كما قال في حديث سابق لـ “تشرين” يتبدل بتبدل الحالة الثقافية التي يتعايش معها الإنسان بطبيعة الحال، إذاً -الكلام للديب- «الأدب الوجيز» ليس إلغائياً لكنه يتجاوز ويكسر النمطية السابقة كشكل ثوري يفتح نمطية فكرية جديدة كما فعلت قصيدة التفعلية والقصيدة النثرية في الخمسينيات عندما كسرت نمطية العمود الخليلي، نحن نكسر اليوم التفعيلة والنثرية، ونحاول ابتكار زمن جديد.
وفي إصراره الدائم على تجاوز مرحلة سائدة تكرر نفسها من دون أن تستطيع إنتاج إبداع آخر ببساطة، لم يُهمل الديب ضرورة الانتباه إلى التفريق بين «الشعر الومضة» كفكر فلسفي له منطلقات فكرية مبنية على قواعد وأسس ممتدة من العصر السومري حتى اليوم، في حين أن الكتابة المختصرة هي كلام عادي، لا علاقة لها بشعر الومضة ولا بالقصة القصيرة جداً ولا غيرها، وأي شعر بسيط سردي هو للعامة, أما الشاعر صاحب المشروع الثوري الفكري الاستنهاضي فهو للنخبة لأنه يعتمد الرمزية وليس المباشرة، والغموض لا الوضوح.

محاولات قديمة
لكن ما يذهب إليه الزميل والشاعر علي الراعي مؤسس الملتقى السوري للنصوص القصيرة أمر آخر، فهو يرى أن المحاولات التي يقوم بها بعض الكتّاب اليوم في كتابة النص القصير ليست اكتشافات “للأراضي البكر والغابات العذراء”، ولاسيما في مقاربة شكل الهايكو على وجه التحديد، لأن محاولة كتابة العالم بما لا يزيد على خمس كلمات، هي محاولات قديمة قِدم الأدب نفسه، رغم أزمنة المطولات التي عبرت على أجيال كثيرة.
ويضيف الراعي: قبل “همروجة” الهايكو في السنتين الأخيرتين، عرف الوسط الأدبي والثقافي شكلاً أجدر في الكتابة العربية من الهايكو، باعتبار أن الأخير لا يمكن أن يكون غير ياباني، وربما كان الشاعر العراقي “أسعد الجبوري” من أوائل المجربين في مجال “نص النانو” لغاية التمرّس على كتابة ما هو أبعد من الهايكو، وأشد اختصاراً من أي حجم شعري في العالم، وهو التجريب على صياغة مشروع عربي شديد الكثافة وشاسع الدلالات والمعاني.

بين النانو والهايكو
تتفق قصيدة النانو مع الهايكو في التجربة الجمالية المباشرة، لكن هذا لا يلغي الفرق بينهما، يشرح الزميل الرّاعي: في الهايكو عليك أن تنسى العلاقة بين الذات والموضوع لتجرّب أكثر اللحظات جمالية، أما في النانو فعليك أن تنسى العلاقة بين الذات والموضوع أيضاً لكن لتمضي إلى قلب الأشياء وتتحد بكل ما هو حولك وتغوص عميقاً في التجربة، بكلمات لا تقل عن ثلاث وليست غالباً أكثر من خمس، تختصر حالة ما في حياتنا المعاصرة عبر تجريب في اللغة واشتغال على مفرداتها وزحزحتها كلياً من أماكنها المعتادة إلى أماكن أخرى لم نعتد عليها على المستوى الذهني ولا على المستوى البلاغي لخلق مشهد ربما نعرفه لكننا لم ننجح مرة في التعبير عنه، لكن الشاعر في قصائد النانو يقول هذا العادي مخلّصاً إياه من عاديته ليحفر داخلنا عميقاً.

تقنيات تعبيرية
من جهته يتمنّى حسام الدين خضور مدير الترجمة في الهيئة العامة السورية للكتاب ألّا يتم اختصار الأدب الوجيز إلى الومضة الشعرية والقصة القصيرة جداً التي تُقدم بعدد صغير من الكلمات، ففي آداب لغات أخرى سنرى تقنيات حددت حجم النص الشعري فالسوناتا في الشعر الإنكليزي ذات حجم معين لا تتجاوزه، وفي الشعر الياباني هناك الهايكو المحدد بعدد معين من الكلمات.. يقول خضور: توجد تقنيات تعبيرية قديمة العهد أسهمت في إغناء الأدب بنصوص رائعة مفعمة بالرؤية الجمالية والإحساس الفني والعاطفة الإنسانية، ولعلّ “الأغنية” هي التقنية الفنية الأقدم في تاريخ الأدب لدى الشعوب جميعاً في التعبير عن المشاعر الإنسانية الفردية والجماعية، “الرسالة” هي الأخرى نص وجيز يُمكّن الكاتب من التعبير عن همومه بفنية ومنطق رائعين، أيضاً “الحِكم والأمثال” التي تجري على ألسنتنا كل يوم كونها تمثل خبرة الإنسان منذ قديم الزمان، كذلك “الحكايات والخرافات والأساطير”، يمكن أن نضيف إليها “صلوات الناس” في كل الأديان كنصوص أدبية وجيزة تحمل توق الإنسان إلى معرفة سر الوجود.

الكاتب أسير موضوعه
لكن هل يرتبط الأمر بطبيعة العصر وتطور التكنولوجيا؟
يجيب خضور : ربما لكن الأمر ليس مرتهناً بذلك وحده، فلكل عصر نصوصه الوجيزة، وما يحاول بعض كتابنا الشباب أن يقدموه الآن مرتبط بتقنيات القرن التاسع عشر في الهايكو، والربع الأول من القرن العشرين في الغرب، ومن الأمثلة على ذلك قصة “الست كلمات” للروائي العالمي إرنست همنغواي “للبيع: حذاء طفل، لَمْ يُلْبَسْ قَطّ”!”.. ويدعو خضور إلى اقتصاد اللغة أولاً، والتخلص من الإنشائية وعدم الاغتراب عن الزمان والمكان اللذين نعيش فيهما، وكما يختار الموضوع شكل التعبير عنه، يختار الشكل موضوعه، لكن غالباً ما يكون الكاتب أسير موضوعه لا العكس.
وفي المحصلة ربما كان من الأفضل الاهتمام بكل جنس أدبي على حدة لتطويره بدل السعي لتغطية عدد من الأجناس الأدبية التي تعاني أصلاً من استسهال كتابتها، وتعدي مدّعي الأدب عليها!.

تصوير: صالح علوان

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed