آخر تحديث: 2020-09-18 12:50:15

الحدس كمنقذ من الضلال

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

كثيرة هي القضايا التي نظل فيها مَدينين للحدس، وقد يكون لتجاهلنا واستثقالنا لهذا الأخير آثار سيئة أهمها الغرق في وحل المفارقة التي تجعل الميتافيزيقيا رهينة للحلقة المفرغة. وسنخطئ لا محالة إن نحن خلطنا بين فعلين أو مهمتين: إدراك الأشياء على نحو ما، ومن جهة أخرى القدرة على تفسيرها والاستدلال عليها، ويستطيع الحدس أن يجعلك في صلب هذه المعرفة على نحو كلّي من دون تفاصيل لكن ما تبقّى هو قضية التحليل والاستدلال، وهو ما يعني أن المعرفة تقوم في الحدس وأمّا إدارة المفاهيم وتقصّي تفاصيل الفهم فهي قضية أخرى.
هل يا ترى هذا ما جعل النصوص الفلسفية الكبرى تواجه انشطاراً في الفهم والتأويل.. هل هذا بالفعل ما حصل مع كانط الذي تفرع إلى “كانطيات”.. أم يتطلّب القول الفلسفي زمناً موضوعيّاً لظهور ما كان غامضاً نتيجة تداخل الحدسي بالبرهاني، فالبرهان لم يكن دائماً في مستوى عمق الإحساس الكلي بجوهر الظاهرات، فيما الحدس يدرك الأشياء الموضوعية في ذاتها، لكن التحدّي قائم في طبيعة تحقيق هذه المعرفة وتقاسمها في مستوى البرهنة.
نخطئ عادة بل نتجاهل حيوية الحدس وقدرته على استباق معرفة الشيء في ذاته على نحو ما يجعل الحدس في نهاية المطاف واسطة حقيقية بين الذّات والموضوع، فقد تكون براهيننا عاجزة عن إحراز «النومينا» (المادة ظاهرها وحقيقتها) لكن الحدس غير معني بهذا العجز، ذلك لأنّنا لا نستطيع إدراك الحدس وقدراته الغامضة والفائقة على اختراق العالم الموضوعي حتى يتسنّى الحكم عليه. فالحدس هو وسيلتنا لإدراك الواقع إدراكاً يبدو دائماً وأبداً نفعيّاً لأنّ المصلحة تتشكّل هنا قبل أن يبلغها زحف البراهين البطيء.
يبدو هذا أمر مهم في مجال المعرفة، ولعل المعضلة الكبرى في المآزم الفلسفية يكمن في سوء تقدير الحدس وقدرته الفائقة على تجنبنا كل محاولات الالتفاف على العقل، فالعقل المتصالح مع الحدس يدرك حقيقة ما يفرضها تدبير زمن البرهنة بعد حين، فالحدس هو الومضة التي توجّه الفكر وتمنح البرهنة مهاماً جديدة وتحدّياً تفرضه حتمية التوزيع المعرفي بناء على كون الإنسان ليس كائناً عاقلاً فحسب بل ومدني بطبعه، ومقتضاه أنه لولا وجوده داخل مجتمع يفرض عليه ضرباً من التناطق لما كان في حاجة إلى براهين، ومن هنا اعتبرنا البراهين والأنساق ضرورة تعاقدية بامتياز وأنها تشكل أساس قيام التعاقل والمُعاقلة، اللغة المفهومية لكائن عاقل ومدني بالطبع.
ولو كان الإنسان غير مدني بالطبع لما استشعر الحاجة إلى البرهان، ولكن مكتفياً بحدسه وأسرع إلى الفعل ومعرفة الشيء في ذاته لأنّه يعيش على هذا الإحساس بالكلّي وجوهر الأشياء ولا يأبه بتفاصيلها. إن الحاجة إلى البرهان أشبه بالحاجة إلى الأصوات وحتمية الضجيج في المجتمع البشري وهو ما يحرم الكائن متعة الحدس والصّمت وسرّهما اللذين تحجبهما البرهنة والضجيج. ولأنّ التفكير وفق مقتضيات العقل الجمعي يجعل الإنسان مرتبطاً بأوهامه أكثر من ارتباطه بالطبيعة والعالم الخارجي حضوريّا. إننا نعيش حرباً ضدّ الوجدان، ولا يهم بعد ذلك أن يكون التعويض التاريخي عن كلّ هذا الخراب هو التمثلات التماثلية.
ويحصل أنّ الإنسان استغرقته البراهين وتراجعت لديه ملكة الإدراك الحضوري للأشياء، وقد بات الحدس عارضاً بينما استُهلك الكائن في براهين لا تعدو أن تكون تكراراً تعاقليّاً داخل الحلقة المفرغة. وهنا وجب الحديث عن تراجع الإبداع طالما أنّ الحدس بات يحتل المرتبة الأخيرة في نشاطنا الذهني. بل لا نفعل في ممارستنا العقلية سوى قمع ومضات الحدس بنوع من التعالي لا ينتمي لكامل معرفتنا القبلية ولا للواقع الموضوعي، بهذا نسكن حافة الوعي، وربما الوعي المستحيل لكننا نتوهم ببراهين لا زالت تشكو من الهشاشة وفساد المقدمات.
إن طبيعة فهمنا واستيعابنا للحدس خاطئة، لأننا نعرّفه بأدوات فاقدة للحساسية، وهي الشيء الذي لا يمكن أن تنقله لنا أدوات الاستدلال، وكيف وبماذا يا ترى سنعرّف شيئاً لا يبدو إلاّ كتجلٍّ وانكشاف، وكيف يعرّف الشيء بما هو نظير له في الانكشاف بل أن يكون دونه في الانكشاف؟.. لذا فإن ما نفعله ليس سوى تهيئة الذّهن للإحساس بهذه القدرة الفائقة والتي تعانق العالم الموضوعي مباشرة ومن دون سابق إنذار.
إنها اللحظة القصوى لإحساسنا بالشيء في ذاته. وسنخطئ لا محالة حين ننظر إلى الحدس كواحد من طرائق المعرفة ونصنفه ضمن خيارات عديدة متجاهلين أنّه هو أصل المعرفة حيث تظل البراهين رهينة للحدس كما قلنا سابقاً في كل مراحل تناطقنا: أولاً وآناً ومآلاً.
كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن,رؤى عربية

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed