آخر تحديث: 2020-09-29 09:07:50

النص السوري بعد عشر سنوات من الحرب.. مخاضات عسيرة!

التصنيفات: ثقافة وفن

عشر سنوات من الحرب تركت آثارها على المخيلة الأدبية السورية إلى درجة قال فيها البعض: إن هناك نصاً مختلفاً يلوح في الأفق من حيث الصور والعبارات وأساليب التعبير. صحيح أن الانعطافات الكبيرة في الفنون حصلت إثر الأحداث الكبيرة في التاريخ، لكن من وجهة ثانية فإن ميزة الاستشراف في الأدب ظلت حاضرة بقوة وذكرتنا هذه الفترة بنصوص كتبت قبل هذه المرحلة بكثير وكأنها تنبأت بها، أيضاً كان لاستيقاظ الأسئلة الفكرية والثقافية الدور في حضور عناوين غير معتادة في السابق، فنحن أمام تغير يحدث على صعيد الشكل والمضمون بغض النظر عن ماهيته وشدة ارتفاع خطه البياني ومآلاته المتوقعة خلال الفترات القادمة.
يقول الروائي -أنور فؤاد الجندي: «نعم لقد اختلف النص السوري بشكلٍ جلي حيث كانت الأفكار مستوحاة من الأحلام والطموحات والخيال والسياحة وكانت تحتوي الكثير من التنافس الأدبي من جميل المفردات ومن عبارات رقيقة وعميقة لأنها كانت تنبع من قلبٍ هادئ مطمئن وعن قراءة واعية شمولية، والشعر في معظمه كان موجهاً نحو الغزل والهيام والأشواق، أما الروايات فتغص بالثقافة والقصة مزدحمة بعميق الفكرة». فيما يخص الشعر، ظهرت التبدلات بشكلٍ أوضح من الفنون الأخرى تبعاً لإمكانية تبادل النصوص ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأصبحنا نشاهد ظواهر متعددة على صعيد الكتابة الشعرية متباينة في السوية والاختلاف. في هذا الإطار يقول الشاعر-علي صدران: «قد يكونُ ما نعيشه حالياً على صعيد القصيدة السورية خروجاً شبه نهائي من الشكل والمضمون التقليدي للقصيدة العربية، فكلُّ التغيّرات التي طرأت على واقعنا بشتّى جوانبه تمَّ سبكُها أدباً مختلفاً وجديدَ الشكل والمضمون، واستطاعَ مواكبةَ هذا التغيّر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإحاطة به والتعبير عنه بامتياز، وذلك عبر تلك الأقلام التي كانت نشيطة جداً، فقد واكبت المشهد كاملاً خلال السنوات العشر الماضية، ولهذا نجد نصوصنا السورية المعاصرة مليئة بكلِّ ما يحتويه معجمنا اللغوي من مفردات ومعاني الحرب والموت، لكن هذه النصوص ليست كحماسة أبي تمام أو قصائد المتنبّي أو شعر المعارك والحروب المألوف لدينا وإنّما كُتبت بأساليب شعرية جديدة ومختلفة للغاية».
اقتفاء أثر ملامح النص وتبدلاته ليس بالأمر السهل، خاصة في ظل النشر الالكتروني غير الموثق ضمن كتب قابلة للمتابعة النقدية، وأيضاً في ظل ظهور نصوص مجهولة الأب بسبب الاقتباس والتشابه وأحياناً السطو على نصوص الآخرين.. لكن ما هو مؤكد أن التبدل قد حصل «بِعجره وبجَره» كما يقال، والبعض يتوقع أن تأخذ المرحلة سنوات أخرى حتى تختمر التجارب وتتم غربلة الغث من السمين وهو أمر طبيعي حدث في كل التجارب العالمية التي مرت في الظروف نفسها تقريباً.. يقول أنور فؤاد الجندي: «بعد عشر سنوات من الحرب أصبح النص السوري بطريق واحد تحت رقعة من السماء مغشية بالحزن والضباب، مما أدى أيضاً لظهور بعض الشعراء والكتاب من مساحة الفراغ القاتلة التي يعيشون فيها من خوف وألم وحزن، فحصلنا على بعض القطع الركيكة التي لا خير فيها ولا جدوى منها، ولكنها تفريغ إيجابي لطاقة سلبية تشكلت غصة في صدورهم.. فلم يكن هناك الكثير من الأفكار الحديثة التي تفرغ الهم عن الصدور وهذا مدعاة لنا لنرثي النص السوري الذي بات يكتبه ويقوله الجميع من كتاب ومن عامة، والفكرة التي يجب التفكير فيها هل نرثي هذا النص إلى الأبد أم إلى ما بعد الحرب؟».
الاختلاف حول عمق التغيير الحاصل أمر طبيعي، فكما أسلفنا، يمكن للمتابع أن يحصل على الهشاشة والقوة في آن، على الضياع واتضاح معالم الطريق معاً، كما بالإمكان الحديث عن ظواهر تتعلق بانتشار قافلة كاملة من الكتاب غير المحترفين وغير المتقنين للغة وقواعد الكتابة.. كل ذلك يبدو طبيعياً في هذه الظروف من الحرب والصعوبات الكبيرة على صعيد الحياة بشكل عام، لكن من دون شك فإن المحاكمات النقدية لن تتوقف أمام التجارب الهزيلة التي لم تتمكن من ترك بصمة مختلفة في المشهد لأن الحكم سيكون في الغالب للتجارب التي تمكنت من امتلاك زمام النص الجديد وسارت به أبعد ما تستطيع باتجاه الضفة الأخرى التي يتوقع النقاد أن تتضح جغرافيتها خلال السنوات القادمة بعد أن تنضج التجارب وتختمر على نار هادئة كما يقولون.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed